Skip to main content
User Image

عبد الناصر بن عبد الرحمن الزهراني

Professor

عميد كلية السياحة والآثار (الأسبق)

كلية السياحة والآثار
كلية السياحة والآثار
announcement

منهجية الترميم في الحفائر الأثرية تطبيقاً على حفريات جامعة الملك سعود قسم الآثار موقع دادان المملكة العربية السعودية

from

المقدمة

لكل علم من العلوم مصادره التي يستقي منها معلوماته, وعلم الآثار يستقي الجانب الأكبر من معلوماته من المواقع الأثرية، حيث توجد بقايا وأطلال الحضارات القديمة. والمواقع الأثرية التي نقصدها هي: أي مكان كان مسرحاً لنشاط إنساني، (كهف، أو مستوطنة صغيرة أو كبيرة أو غيرها), أما بقايا وأطلال الحضارات القديمة فيقصد بها (المباني، والأدوات، والآلات، والنقوش وغيرها من الأشياء التي خلفها الإنسان عبر مسيرة التاريخ).

والعمل الميداني (الحفائر أو الحفريات) هي الوسيلة الرئيسة, التي يعتمد عليها علم الآثار في البحث والتنقيب عن هذه البقايا والأطلال وإخراجها إلى حيز الوجود، لذلك فالعمل الميداني هو حجر الزاوية في نشاطات علم الآثار.

وبدأت عمليات التنقيب المنظمة في القرن الثامن عشر الميلادي, في كل من موقعي هيركولانوم Herculaneum عام 1748م وموقع بومبي Pompeii الواقعتان إلى الجنوب من نابولي. وللأسف لم تكن تعنى بمسألة ترميم مكتشفاتها وصيانتها, وكذلك إهمال القطع البسيطة المتكررة, فقد كانوا يهتمون بالمقتنيات الفنية السليمة والجميلة, من حيث خامتها النبيلة ونقوشها وألوانها المكتملة. وليس مجالنا الحديث عن كم المعلومات التي فقدناها وللأبد نتيجة هذا الأسلوب في الحفر والتنقيب عن الآثار.

لذلك قام المهتمون بهذه الآثار بإصدار سبعة قرارات في المؤتمر المنعقد بأثينا 1931م أسموها بـ “Carta del Restauro”, من أهمها القرار الرابع الذي ينص على أن: (مواقع الحفريات التي لا تخضع إلى ترميمات فورية ينبغي ردمها ودفنها لحمايتها).

ومع التقدم العلمي الهائل في القرن العشرين استفادت التقنيات الحديثة, في مجال الحفر والتنقيب عن الآثار, من التصوير الجوي، والتصوير ثلاثي الأبعاد (فوتوجرامتري), والمسح بالأشعة تحت الحمراء والتنقيب الجيوفيزيائي ...الخ، حتى صار لعلم الآثار – اليوم- مؤسساته في أعمال التنقيب والحفظ والترميم ومختصوه.

والجدير بالذكر أن عمليات الحفر والتنقيب حديثاً لم تقتصر على المواقع في الأماكن اليابسة (الصحراوية أو الزراعية), بل شملت أيضا البحار والمحيطات. والان وبعد أكثر من مائة عام على بداية أعمال التنقيب الأثري المنظم، أصبح المرمم هو المسؤول حفظ وترميم ما تكشف عنه بعثة الحفائر الأثرية من معثورات وظواهر. (والمقصود بالظواهر الأثرية هي تلك الأطلال الثابتة من جدران أو التفاصيل المعمارية).

وبالحديث عن دور المرمم في بعثة الحفر والتنقيب الأثري، نجد دوره واضح وجلي فيما يلي:

  • الكشف الآمن عن المعثورات الأثرية وتفادي ما يسمى بصدمة الكشف.
  • الترميم المبدئي المكتشفات والظواهر الأثرية بما يكفل بقائها وثباتها لحين توفر مشروع ترميم شامل.
  • تثبيت حالة  الظواهر والقطع الأثرية الضعيفة وتأمينها وتحويل القطع الأثرية إلى المرمم المختص. 
  • القيام بالإسعافات الأولية للمكتشفات والظواهر الأثرية إذا تطلب الأمر ذلك.
  • تأمين مربعات الحفر والعاملين فيها من الانهيارات والمخاطر.
  • توفير الأسلوب الأمثل لتأمين المكتشفات الأثرية ورفعها.

ويمكن أن هنا نشبه دور المرمم في مواقع الحفائر الأثرية – إن جاز التشبيه -  بدور طبيب الاستقبال أو طبيب الطوارئ في المستشفى، حيث يقوم بإسعاف كافة الحالات المرضية التي تعرض عليه ومن ثم إحالة كل حالة (إذا تطلب الأمر) إلى القسم المناسب لها، فهذا المريض يحول إلى قسم الجراحة وذاك إلى قسم الباطنية وهذا إلى قسم أمراض العيون ...الخ. والتشابه هنا في أن مرمم الحفائر الأثرية يستقبل كافة المواد الأثرية المستخرجة من مواقع الحفائر, مثل: المواد غير العضوية (المعادن، والفخار، والأحجار، والزجاج ... الخ). والمواد العضوية (أخشاب، جلود، عظام، منسوجات، عاج ... الخ)، أضف إلى ذلك المباني والجدران والمقابر بكافة أشكالها ومواد بنائها المتنوعة. حيث يقوم المرمم بالتعامل الأولي مع هذه الحالات وتشخيص حالتها وإسعافها وتثبيتها ثم تحويلها (إذا تطلب الأمر) إلى معمل الترميم المناسب, مثل: معمل ترميم الأحجار، ومعمل ترميم الأخشاب والجلود، ومعمل ترميم الفخار والزجاج ...الخ.

وبنظرة عامة ومن خلال العمل لأكثر من ثلاثين عام في مجال ترميم الآثار بشكل عام وترميم مواقع الحفائر الأثرية بشكل خاص، وفي أكثر من دولة اتضح أن عالمنا العربي يفتقر إلى مرممي حفائر مدربين ومؤهلين لمثل هذه المهمة. مما يؤدي في النهاية إلى فقد الكثير من الآثار المكتشفة من الحفائر الأثرية, وما يتبع ذلك من فقد معلومات قد تغير الكثير من المفاهيم لدى الأثري والمؤرخ على حدّ سواء.        

لذلك جاء التفكير في تأليف وكتابة هذا العمل (منهجية ترميم الحفائر الاثرية تطبيقا على موقع دادان، المملكة العربية السعودية) ليكون مرشداً ودليلاً لمرمم الآثار في موقع الحفائر الأثرية, حيث يوضح الإستراتيجية الواجبة على المرمم اتخاذها قبل وأثناء العمل في موقع الحفائر، وما هي المعلومات الواجب أن تتوفر لديه عن الموقع المُراد التنقيب فيه، تاريخه، وأهميته الأثرية، ومناخه، وجيولوجيته، وما هي المواد الأثرية المتوقع الكشف عنها, وكيفية التعامل معها ... الخ.

وقد تم اختيار موقع دادان (الخريبة) ليكون نموذجاً تطبيقياً لهذا الكتاب, حيث تم العمل فيه لفترة تزيد عن عشرة أعوام، وما تم الكشف عنه من نماذج فريدة من أطلال المباني والمعثورات يمكن أن تكون مثالاً يحتذى به في الحالات المشابه.

ويتناول هذا الكتاب بشكل عام ما يجب على المرمم الأثري أن يقوم بجمعه من  معلومات عن موقع الحفائر، مع إدراك البعد التاريخي والقيمة الحضارية لموقع الحفائر, والإلمام بالمعلومات الأساسية عن مناخ وجيولوجية والمواد الخام في موقع الحفائر, وما هي أهم المشكلات التي يمكن أن تواجهه في الميدان, كذلك الاستعداد للعمل الميداني بفريق عمل مناسب لحجم موقع الحفائر، والأدوات والأجهزة والخامات المطلوبة بشكل أساسي في موقع الحفائر، والتي تخدم مراحل الترميم المختلفة بداية بعمليات التوثيق والتسجيل ومروراً بالإسعافات الأولية, ثم عمليات التأمين والرفع, ثم مراحل الترميم من تنظيف وتقوية وتدعيم ...الخ. ومما لاشك فيه أن هذه المراحل تختلف طبقاً لنوع ما تم الكشف عنه من معثورات وظواهر أثرية, واختلاف المادة الخام المصنوعة منها, وحالتها أثناء وبعد عمليات الكشف.

 

ويتناول الفصل الأول الذي يحمل عنوان (البعد الحضاري – دادان) معلومات أساسية عن موقع حفائر دادان في محافظة العلا شمال غرب المملكة العربية السعودية وأهمية هذا الموقع. حيث يتناول الفصل نظرة عامة عن الجزيرة العربية بشكل عام والمملكة العربية السعودية بشكل خاص، فيتناول جيولوجية الجزيرة العربية، والبعد الحضاري للمملكة العربية السعودية، عصور ما قبل التاريخ في المملكة بمراحله المختلفة. ومحافظة العلا (الواقع بها موقع دادان موضوع الدراسة)، وموقعها وتركيبها الجيولوجي وتكوينات العصور الجيولوجية المختلفة فيها من تكوينات الصخور الرسوبية والنارية, كذلك دراسة الملامح الجيولوجية العامة في محافظة العلا، من توزيع المياه الجوفية والتحت سطحية. كذلك تم تناول مناخ محافظ العلا من حيث مراكز الضغط الجوي والرياح في الصيف والشتاء، ودراسة عناصر المناخ من حرارة ورطوبة نسبية وأمطار في محاولة لربط كافة هذه العوامل وما لها من تأثير على موقع دادان الأثري. إضافة إلى دراسة موارد التراث الثقافي في محافظة العلا منذ بداية الاستيطان مروراً بمملكة ديدان ولحيان، والطرق التجارية القديمة المؤدية إلى دادان، وآثار دادان، وسهل وجبل دادان والعمارة الجنائزية المتمثلة في المقابر والمركز الديني اللحياني (المعبد) والحوض (محلب الناقة) ... الخ. كذلك تم التطرق إلى المواقع الأثرية المهمة في محافظة العلا, مثل: جبل عكمة، وجبل أم درج، والحجر (مدائن صالح)، وقرح (المابيات)، وسكة حديد الحجاز (مباني محطات السكة الحديد)، والقلعة الإسلامية بمدائن صالح، وقلعة موسى بن نصير، والتراث العمراني التقليدي في البلدة القديمة.

ويتناول الفصل الثاني الذي حمل عنوان (دراسات ما قبل الترميم – حفائر دادان)، مناقشة مصطلح حفرية أم حفائر، تعريف الموقع الأثري وعوامل تلف موقع دادان بشكل عام، حيث قسمت عوامل التلف إلى عوامل تلف  فيزيائي و كيميائي و عوامل تلف حيوية, كذلك أعمال التخريب البشرية من حرائق وحروب و أعمال الهدم والتدمير والتخريب، إضافة إلى الكوارث الطبيعية من السيول والزلازل. وقد ناقش الفصل الثاني كيفية تكون المواقع الأثرية ومن ثم اختفاءها, والعوامل التي أدت إليه من القحط والجفاف والتصحر الحروب والأوبئة والكوارث الطبيعية, وتغير الأحوال الاقتصادية وفقدان الموقع لأهميته التجارية, والتغيرات السياسية والدينية في محاولة لربط هذه الأسباب بهجر موقع دادان.

أما عن دراسة موقع دادان فقد تم مناقشة التربة عامل حفظ أو تلف في موقع دادان مع عمل دراسات التربة من الخواص الطبيعية للتربة Soil Physical properties, وتصنيف تربة موقع دادان (الخريبة). إضافة إلى دراسة الزلازل في موقع دادان (العلا) وعمل حصر لأهم وأقوى الزلازل التي ضربت موقع دادان. كذلك تمت دراسة أسلوب بناء الأساسات وطريقة البناء في موقع دادان إضافة إلى فحص وتصنيف الأحجار والمونة المستخدمة في أطلال مباني موقع دادان, عن طريق الفحص بالمجهر الضوئي (Optical Microscope Analysis), والفحص بالمجهر المستقطب <(Polarized Microscope (Analysis والفحص بالمجهر الالكتروني الماسح (SEM–EDX Result), والتحليل بطريقة حيود الأشعة السينية XRD. إضافة إلى تحديد مظاهر تلف الأحجار في موقع دادان وإرجاعها إلى عوامل التلف الخاصة المؤثرة على موقع دادان.

أما الفصل الثالث وعنوانه بـ (نماذج الترميم الميداني الإسعافي - حفائر دادان)، بدأ باستعراض استرتيجية الترميم لمواقع الحفائر الأثرية (ظواهر معمارية ومعثورات)، من طرق التسجيل والتوثيق، ومفهوم عملية التسجيل والتوثيق،  والأهداف العامة لعمليات التسجيل الأثري، والتسجيل الوصفي، والتسجيل بالرسم، والتوثيق بالتصوير الفوتوغرافي وطرق التسجيل بالتصوير الفوتوغرافي، والتصوير الفوتوغرافي في موقع الحفائر والتصوير بالظلال والتصوير بالإضاءة الخلفية. كذلك طرق التصوير الجوي للمواقع الأثرية Aerial photography for Archaeological sites. إضافة إلى التسجيل بالرسم الهندسي والتسجيل المساحي. ثم تطرق هذا الفصل إلى نماذج تطبيقية مختارة للترميم الميداني في الموقع, مثل: فك وتركيب الجدار الأثري المائل، طرق تأمين ورفع القطع الأثرية كبيرة الحجم وثقيلة الوزن، بطريقة السحب وطريقة الرفع. قم تطرق إلى كيفية حساب الكتلة في الموقع، وتجهيز المعدات والأدوات والكوادر المدربة. وكذلك اختيار شاحنة (الونش) السحب والرفع، واختيار أنواع الحبال المستخدمة في عمليات السحب والرفع، وأهم العقد والربطات المستخدمة في عمليات السحب والرفع, وأسلوب تجهيز نقالة السحب أو الرفع. إضافة إلى طرق تأمين ونقل كتلة حجرية منقوشة, وتأمين ونقل التماثيل الحجرية الثقيلة الوزن من الموقع الأثري، كذلك المرور بالإسعافات الأولية في الموقع لعدد من النقوش والمسلات والتفاصيل المعمارية مثل الأعمدة, (وبالمناسبة هنا فقط أُخْفيت النقوش التي لم تنشر بإخفاء تفاصيلها من الصورة لحماية الحقوق الفكرية كما في اللوحات 169 – 171, أما النقوش الأخرى المكشوفة فهي منشورة). يلي ذلك ترميم الأجزاء المكتشفة الحصن الإسلامي في دادان، ترميم كتلة المدخل، العقود وأنواعها، طريقة بناء العقد، والمتطلبات الإنشائية لإقامة العقود وتشخيص عقد الحصن الإسلامي في دادان وخطوات حفظ صنجات العقد بموقع دادان. إلى جانب أسلوب ترميم أبراج وجدران الحصن الإسلامي المكتشفة. فضلا عن ترميم حوض الناقة (الحلوية)، والمصطبة الكبيرة وعدد من الحالات المختلفة من موقع دادان. ويختم هذا الفصل بطرق الصلب والتدعيم الميداني, واستعراض أسباب الانهيارات في موقع دادان وأسلوب صلب وتدعيم الانهيارات والفجوات, كذلك صلب وتدعيم الجدران الحجرية المكتشفة في موقع الحفائر.

ثم يختم الفصل الرابع وعنوانه (نماذج تطبيقية في ترميم القطع الاثرية - حفائر دادان), من حيث تجهيز المعمل الميداني لترميم القطع الأثرية (المعثورات) في الموقع. وقسمت إلى قسمين ترميم المعثورات ذات الأصل غير العضوي، (فخار، وزجاج، ومعادن، والأحجار),  حيث تم التطرق إلى عوامل تلف هذه المعثورات وطرق رفعها من الموقع وتأمينها ، وطرق وأساليب التنظيف المتبعة ميدانياً، كذلك عمليات استخلاص الأملاح بنوعيها، وأساليب التقوية والوصل والتجميع والاستكمال والخامات المستخدمة في هذه العمليات. مع التطبيق العملي على نماذج مختارة من هذه المواد.

القسم الثاني من هذا الفصل تناول المعثورات الأثرية ذات الأصل العضوي, مثل: (الأخشاب، والجلود، والعظم والعاج) وتطرق هذا الجزء إلى خواص هذه المواد وعيوب الصناعة, وتأثير هذه الخواص في حفظها أو تلفها، وأسلوب الكشف والرفع الآمن، وطرق علاج الرطوبة والجفاف الشديد وما ينتج عنهما من تشوه في شكل المعثورة الأثرية. إضافة إلى طرق مكافحة الإصابة بالحشرات والكائنات الدقيقة، وطرق إزالة الحموضة، والطرق العلمية للتفريق بين العظم والعاج، وكذلك تناول هذا القسم من الفصل الرابع مراحل الترميم التقليدية من توثيق وتسجيل وطرق التنظيف والتقوية ... الخ.

هذا ونرجو أن نكون قد وفقنا في أن نضيف ولو جزء يسير إلى المكتبة العربية التي تفتقر إلى مثل هذه الكتب في مجال ترميم الآثار، والكتاب موجه إلى جميع العاملين أو المهتمين بالآثار من طلاب وأساتذة وفنيين، ونأمل أن يتقبله الله عز وجل كعلم ينتفع به. وأخيراً فإن هذا العمل هو نتاج جهد بشري يعتريه ما يعتري أي عمل بشري من خطأ أو نقص. والحمد لله الذي تتم به الصالحات، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم على نبينا محمد.

 

                                 المؤلفان

more of announcement
announcement
12
Mar 2024

المقدمة لكل علم من العلوم مصادره التي يستقي منها معلوماته, وعلم الآثار…