لم أخطط لكي أصبح مُخططا!

لم اخطط لكي اصبح مخطط

يسألني كثير من الطلاب عن مسار حياتي الأكاديمية وكيف اخترت تخصص «التخطيط العمراني» ويتكرر هذا السؤال في سياق عرض السيرة الذاتية أو التحديات البحثية التي واجهت مسيرتي العلمية. أشير دوما إلى أن اختيار التخصص الأكاديمي غير مرتبط بالضرورة بالرغبة أو الميول - كما يعتقد البعض - بل بمدى قدرة الطالب على اكتشاف التخصص نفسه واستيعابه، الرغبة وحدها ليست كافية لضمان نجاح الطالب أو تميزه في أي تخصص كان؛ فالكثير من التخصصات يصعب استيعابها والحكم عليها مسبقا قبل دراستها بجدية.

من السهولة بمكان اختلاق أي قصص أو أحداث درامية تعبر عن أسباب اختياري لتخصص «التخطيط العمراني»، ولكني في الحقيقة «لم أخطط لكي أصبح مخططا». أتذكر ذلك الشعور الذي انتابني مع بداية الدراسة في جامعة الملك سعود عندما سجلت في هذا التخصص وبدأت الدراسة فعليا، رأيت زملائي من حولي يتحدثون وأنا وحدي الغارق المهموم، سمعت أصواتهم في مخيلتي لم أعرف ما يقولون! أهم يتحدثون، هل أراهم حقا؟ ولماذا هم يضحكون؟ حاولت أن أستعيد رباطة جأشي وأستجمع قواي الخائرة لأتحدث معهم لعلي أنسى شعور الإحباط الذي انتابني بغتة ولكني لم أستطع المقاومة.

عدت إلى المنزل لأجلس وحدي على الكرسي أفكر مليا بهذا التخصص وهل حقا أحسنت الاختيار؟ عيناي محمرتان وأنفاسي مضطربة، ليس لي رغبة بالحديث وغرفتي كانت مليئة بالغبار والأجواء تلفها الكآبة. نظرت إلى أعلى وقلتها لنفسي صراحة إني أشعر بالإحباط وعدم الرغبة في مواصلة الدراسة الجامعية، فما الجدوى من إكمال الدراسة في تخصص مجهول دون مستقبل واضح المعالم.

أشغلت ذهني وتفكيري العميق في المستقبل الوظيفي دون أن أركز في التفوق في مجال دراستي. في تلك اللحظة وقعت عيناي على مجموعة من الكتب لأنفث الغبار عنها وبدأت بالقراءة. لا أعرف كم الوقت الذي أمضيته، فالعامل الزمني لم يعد بالأهمية نفسها بالنسبة لي. جمل عديدة مرت سريعا وكأنها شريط ذكريات يعاد لي أكثر من مرة ليتوقف عقلي أمام عبارة تحفيزية لامست شعوري وحركت صميم وجداني. نعم وجدتها ها هي «حاول أن تجعل من حالة الانكسار فرصة وبداية حلم جديد، فمهما كان اختيارك أنت متميز في مجالك». يا لها من عبارة محفزة!

عدت في اليوم التالي إلى الجامعة وشرعت حينها بجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول تخصص «التخطيط العمراني»، ونظرا لطبيعة التخصص وتداخله مع تخصصات عدة في الاقتصاد والبيئة والاجتماع، كنت أزور المكتبة مرتين أسبوعيا لقراءة مجموعة واسعة من الكتب في مجالات مختلفة.

فهمت أن دور التخطيط العمراني لا ينحصر في وضع التصورات العمرانية حول معيشة الناس في المدن؛ بل كيف نجعلهم سعداء؟ غايتنا كمخططين أن نناضل ونعمل على تنمية المجتمع وتحقيق الرفاهية والارتقاء بأساليب المعيشة بالمدن لتكون بيئات حضرية منتجة ومستدامة.

عشت أياما جميلة وكنت وزملائي محظوظين لوجود مجموعة رائعة من الأساتذة الذين تتلمذنا على أيديهم، كانوا في بداية مسيرتهم العلمية ليقدموا لنا أحدث ما توصل له العلم في هذا المجال.

أكملت مشواري الأكاديمي في هذا التخصص حتى مرحلة الدكتوراه لأعود مرة أخرى في البحث والتدريس وخدمة المجتمع في جامعتي «جامعة الملك سعود».

هذه قصتي مع «التخطيط العمراني» الذي أقبل لي حتى أحببته، ولكني في النهاية لم أخطط لكي أصبح مخططا!.

https://makkahnewspaper.com/article/1574882/

Attachment
Attachment Size
النص الأصلي 248.79 KB