«المسار الرياضي» مسار نحو الاستدامة في التخطيط العمراني

المسار الرياضي

تخطو المملكة العربية السعودية خطوات متلاحقة نحو تنمية الإنسان والمكان؛ فمنذ إقرار الرؤية الوطنية في عام 2016 لم يتم الاكتفاء بتطوير مشاريع تستوعب احتياجات الإنسان أو الطلب (الكمي) فحسب؛ بل أصبح الاتجاه نحو إنتاج مشاريع عمرانية (نوعية) تخدم المجتمع السعودي وترتقي بجودة الحياة.

لقد كنا على موعد الأسبوع الماضي مع إطلاق الكود العمراني لمشروع تنموي رائد وهو «المسار الرياضي» الذي يضاف إلى جملة المنجزات التنموية في المملكة العربية السعودية، ويدشن عنوانا جديدا لمستقبل التخطيط والعمران في مدينة الرياض. يعد المسار الرياضي أحد مشاريع الرياض الكبرى والتي سوف تسهم في تعزيز جودة الحياة في مدينة الرياض وتحقيق مستهدفات الرؤية الوطنية في بناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.

إن مشروع «المسار الرياضي» ليس مجرد مشروع ترفيهي أو ترويحي فحسب؛ بل هو مشروع تنموي يمتد على مسافة 135 كلم في نطاق يخدم سكان مدينة الرياض والمدن المجاورة، ويتكامل مع المنظومة البيئية كوادي حنيفة وحديقة الملك سلمان ومنطقة الثمامة. المشروع يعيد مسار التخطيط العمراني من المنحى المنحصر في تقسيمات الأراضي والذي يفتقد للشمولية ونعني بها الكفاءة الاقتصادية، وحماية البيئة، وجودة الحياة إلى منظومة الاستدامة كأحد أهم أهداف رؤية 2030.

يشتمل المشروع على مسارات مشاة آمنه ومشجرة ومسارات خاصة بالدراجات ومواقع للأنشطة الرياضية وعدد كبير من المسطحات الخضراء والمناطق المفتوحة والساحات والمعارض ومواقع الفعاليات والأنشطة الثقافية والفنية والمسارح ودور السينما، الى جانب الأنشطة الترفيهية والمناطق الاستثمارية. جميع هذه الأنشطة والخدمات سوف تتكامل في تصميم عمراني يتماشى مع مبادئ «العمارة السلمانية» وبشكل يضمن جودة التصميم الحضري والتأكيد على الهوية العمرانية المحلية.

بصفتي متخصص في مجال «التخطيط العمراني» أستطيع استلهام جملة من المبادئ والأهداف في مشروع «المسار الرياضي» والتي تؤكد على بناء الإنسان وبناء الأوطان؛ فبناء الإنسان يكون من خلال تعزيز البناء الجسدي والنفسي من خلال خلق مسارات مشاة وأنشطة اجتماعية وثقافية تشجع على ممارسة الرياضة وتسهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية وزيادة المخزون الثقافي للمجتمع؛ أما بناء الأوطان فيتم من خلال الأنشطة والمعارض الفنية والفعاليات والمفردات العمرانية المستمدة من البيئة المحلية والتي تعمل على تصدير الثقافة السعودية المحلية لشعوب العالم.

وأرى أن تأثير «المسار الرياضي» سوف يمتد ليشمل ثلاثة مستويات رئيسة وهي:

أولا: مستوى الأحياء السكنية المجاورة، وذلك بزيادة معدلات الوصولية، ورفع جودة الأحياء السكنية القائمة، وتكامل عناصر الربط الفراغي. كما أن نوعية استعمالات الأراضي والمناطق التجارية والاقتصادية سوف تتماهى بشكل متناغم مع طبيعية المشروع.

ثانيا: مدينة الرياض، وذلك بإيجاد متنفس طبيعي وترويحي يخدم سكان مدينة الرياض ويمكن الوصول له من كافة أجزاء المدينة لكونه يمتد على محور طولي يخترق المدينة من الغرب الى الشرق، وهكذا سوف يسهم المشروع في تحسين أنماط الحياة لسكان المدينة وتقليل درجات الحرارة وتغيير ثقافة المجتمع نحو أهمية المشي وممارسة الرياضة باعتبارها جزءا هاما في بناء الصحة الجسدية والنفسية للإنسان.

ثالثا: البعد الإقليمي، فالمشروع يصنف كأحد المشاريع الإقليمية الضخمة والتي يتجاوز نطاق تأثيرها البعد المحلي للمدينة لخدمة سكان المدن المجاورة؛ بل وصناعة بيئة سياحية مستدامة. ويؤمل أن يشتمل المشروع على حلول إبداعية لمواجهة تحدي نقص المياه في بيئة الرياض الجافة، حيث يتوقع أن يستفاد من آخر تقنيات تكرير واستهلاك المياه لمد المشروع بكفايته.

باختصار سوف يعمل مشروع «المسار الرياضي» على إعادة رسم مستقبل التخطيط والعمران في مدينة الرياض.
https://makkahnewspaper.com/article/1568825

Attachment
Attachment Size
النص الأصلي 228.74 KB