حي سكني أم حارة «كل من إيده إله»؟!

حي سكني ام حارة كل من ايده اله

أشرت في مقال سابق أن أنماط تخطيط الأحياء السكنية يمكن أن تساهم في تطوير أساليب معيشة السكان والارتقاء بجودة الحياة.

وأكدت في أكثر من مناسبة أن الحي السكني ليس مجرد وعاء لاستيعاب السكان ضمن وحدات سكنية تتخللها شوارع متعامدة وخدمات غير مترابطة ولا تفي باحتياجات السكان.

وبتحليل واقع الكثير من أحيائنا السكنية نجد أنها غير مبنية تماما على دراسات الاحتياج السكاني، ولا تعكس الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للفئات المستهدفة أو حتى طبيعة الأرض وعلاقتها بالسياق العمراني، معظم هذه الأحياء السكنية تم تخطيطها وفقا لنظام التخطيط الشبكي حيث قُسمت الشوارع بشكل مصفوفة متعامدة تتخللها بلوكات سكنية مستطيلة تتموضع داخلها قطع الأراضي والوحدات السكنية.

يخترق الحي من عدة مداخل تفتح مباشرة على الشوارع التجارية، وتتوزع المحلات على جانبي الطريق بلا مساحات لمواقف السيارات لتسبب اختناقات مرورية لا سيما في أوقات الذروة.

هذا النمط التخطيطي يجعل الأحياء السكنية بمثابة «حارة كل من إيده إله»، إذ يمكن الدخول إلى الحي والخروج منه أو استخدامه كمنطقة مرور عابر وهو ما يتسبب بالإزعاج وانعدام الخصوصية لسكان الحي.

الإشكالية ليست هنا وإنما في تكرار هذا النمط على نطاق واسع يكاد يتجاوز 90% من أحياء مدينة الرياض ومدن أخرى.

في فترة الطفرة الاقتصادية عام 1970 اتجهت العديد من المدن السعودية للنمو العمراني السريع لتلبية الطلب على الإسكان، والخدمات، والمرافق.

وتبعا لذلك، طورت العديد من الأحياء السكنية بشكل سريع لاستيعاب المجموعات المهاجرة وتوطين البادية، وأصبحت الجهات البلدية المحلية بين خيارين إما عدم استيعاب التدفقات السكانية الكبيرة وبالتالي إمكانية ظهور مناطق عشوائية على أطراف المدن؛ أو توفير مخططات سكنية جديدة وبشكل سريع ثم مدها لاحقا بالمرافق والخدمات.

وضعت الجهات البلدية الخيار الثاني قيد التنفيذ، ولعل نمط التخطيط الشبكي كان هو الأسرع في الاستجابة لهذه التحولات السريعة، وهكذا تسارعت وتيرة البناء والتطوير لاستيعاب الطلب على حساب مستويات الجودة، والخدمات، والاعتبارات البيئية، ومستويات المشاركة المجتمعية.

لقد أفرزت هذه التطورات العمرانية المتلاحقة أحياء سكنية غير مكتملة تماما في الخدمات أو مواقف السيارات، أو التشجير أو أرصفة المشاة أو حتى سفلتة الشوارع.

يمكن القول إن نمط التخطيط الشبكي ساعد بشكل أو بآخر في استيعاب السكان من الناحية الكمية بعيدا عن كامل اعتبارات الجودة؛ أما اليوم ومع توجهات الرؤية الوطنية 2030 بالارتقاء بجودة الحياة وتحسين أساليب المعيشة فلا أجد مبررا واضحا لاستمرار تبني هذا النمط التخطيطي في الأحياء السكنية الجديدة في المدن، هذا النمط لن يكون الخيار المفضل للسكان كما أنه لا يتماشى مع توجهات الرؤية الوطنية في «جعل المدن السعودية ملائمة للعيش» من خلال تطوير أسلوب الحياة. وعلاوة على ذلك، فإن هذا النمط التخطيطي غير مناسب حتى للمطور العقاري فنسبة الهدر في الشوارع والفراغات فيه تتجاوز أنماط التخطيط الأخرى.

وأخيرا، الحاجة تبدو ماسة لإيجاد تشريعات تلزم المطور العقاري باستخدام أنماط تخطيط متنوعة تستجيب للتنوع الاجتماعي والتباين الاقتصادي مع ضرورة تخصيص مساحات كافية للحدائق وملاعب الأطفال ومواقف السيارات وتخصيص نسبة من الإسكان لذوي الدخل المنخفض حتى لا تكون أحياؤنا السكنية كحارة كل من إيده إله.

https://makkahnewspaper.com/article/1567834

Attachment
Attachment Size
النص الأصلي 215.32 KB