نحو سياسات إسكانية تحقق التوازن وتمنع الاحتكار؟!

نحو سياسات اسكانية تحقق التوازن وتمنع الاحتكار

يمكن وصف سياسة الإسكان بكونها استبصارا طويل المدى بالاحتياجات المستقبلية التي تمس حياة الإنسان، وتوازنا في علاقة السكان بالنشاط الاقتصادي، وتنظيما دقيقا لمتطلبات المجتمع، وتشريعات ترسم أدوار اللاعبين في السوق. إن الإسكان ليس «سوقا» كما بقية الأسواق وليس سلعة كما هي بقية السلع تتأثر أسعاره وفق مبدأ العرض والطلب، فمن يمتلك القوة الشرائية لديه القدرة على الحصول على مسكن، ومن لا يمتلك هذه القوة الشرائية يبقى خارج السوق بلا سكن. إن «الحق في السكن اللائق والميسر» هو هدف رئيس في سياسات الإسكان التي يؤكد عليها برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية. وتشدد هذه المواثيق على ضرورة توفير الحد الأدنى من أمن الحيازة، والبنية التحتية، والموقع، والملاءمة الوظيفية، والقدرة على تحمل التكاليف.

كما تدعو أهداف التنمية المستدامة (SDGs) إلى «ضمان حصول الجميع علـى مساكن وخدمات أساسـية ملائمة وآمنة وميسورة التكلفة». وإن كان القطاع الخاص يلعب دورا هاما في توفير العقارات السكنية؛ إلا أنه غالبا ما يستهدف الفئات القادرة على الدفع أو تلك التي لديها ضمانات حكومية أو دعم تمويلي. وعليه فلا يعمل هذا القطاع على إنتاج مساكن لفقراء الحضر لكون هذا النوع من المساكن لا يحقق هوامش ربحية مجزية.

في الواقع، الأسر المتوسطة أو محدودة الدخل هم خارج اللعبة ويتخذون موضع المتفرج للارتفاع الصارخ في أسعار الأراضي والعقارات، بينما سياسات الإسكان تستهدف الجميع بلا تمييز، وتعطي الأولوية للأسر غير القادرة على الحصول على مسكن مناسب، وتحدد أدوار الأطراف الداخلة في سوق الإسكان بما يضمن الوصول إلى سوق عادل للجميع.

وفي أحيان كثيرة لا يمكن للدلائل الإحصائية الكمية أن تعطي مؤشرات جازمة يمكن البناء عليها من قبل صانعي السياسة الإسكانية؛ فالأرقام الإحصائية وحدها قد تشير إلى وجود فائض في المعروض السكني؛ ولكن هذا المعروض يظل خارج نطاق القدرة الاقتصادية للأسر. ومن هذا المنطق، من الأهمية بمكان تحليل البيانات الكمية والنوعية ومقارنتها بمتوسط دخل الأسر وحالة السوق على مستوى المناطق الحضرية. وعليه، فالجانب الحكومي والرقابي هام لضبط السوق وصولا إلى منتج سكني يقع ضمن حدود القدرة الاقتصادية للأسر المستفيدة، ويساعد في الوقت ذاته على تحقيق أرباح معقولة للقطاع الخاص.

إن تطوير سياسات فاعلة للتعامل مع أزمات الإسكان يتطلب الاهتمام بثلاثة جوانب هامة وهي:

أولا: الجانب الاقتصادي، فالحصول على مسكن يعتمد على قدرة الأسرة على التملك وأنظمة الدعم المتاحة وحالة السوق الإسكاني في كل مدينة. لذلك، فالإسكان يتأثر بالتقلبات الاقتصادية والأزمات والكوارث، كما أن ارتفاع أسعار الإيجارات أو الوحدات السكنية يؤدي إلى تآكل دخل الأسرة وتقليل الصرف على أوجه الإنفاق الأخرى كالتعليم، والترفيه، والصحة.

ثانيا: الجانب الاجتماعي، فالحصول على مسكن يأتي لسد الاحتياج الاجتماعي والشعور بالذات والثقة، كما أن المسكن يعد بمثابة المكان الذي يحتوي الأسرة وينشأ فيه الأبناء وتبنى فيه العلاقات الأسرية السوية؛ لذلك فإن الحرمان السكني يولد الإحباط النفسي والشعور بالتهميش الاجتماعي.

ثالثا؛ الجانب التشريعي، فمن الأهمية بمكان تطوير قوانين صارمة تمنع احتكار الأرض بشكل متزامن مع زيادة المعروض من الأراضي، وتوفير المرونة في كثافات البناء، وإنتاج إسكان منافس وبأسعار معقولة لتعيد التوازن في سوق الإسكان وتمنع هيمنة المحتكرين.

وختاما، إن الوصول إلى معدلات عالية من التملك السكني أو سوق عادل وبرامج دعم فاعلة يقتضي الأخذ في عين الاعتبار تقدير التكاليف مقابل آثارها الإيجابية على مؤشرات الأداء لخطط الحكومة في احتواء أزمة الإسكان.

https://makkahnewspaper.com/article/1564495

Attachment
Attachment Size
النص الأصلي 235.47 KB