المواقع التاريخية شاهد للحضارة السعودية

المواقع التاريخية شاهد للحضارة السعودية

حتى وقت قريب كان المجتمع السعودي يوصف بأنه مجموعة من البادية الذين سكنوا الصحراء ثم استقروا بعد ذلك في المدن نتيجة الطفرة الاقتصادية. نشأت هذه القبائل -كما يزعمون- دون أن يكون لها أي حراك ثقافي أو تأثير على صناعة المكان والقدرة على التعايش والبقاء في الظروف القاسية.

سردت هذه الحكاية وترسخت -للأسف الشديد- في ذهنية العديد من الأجيال المتعاقبة وانطلت عليهم لتوحي للجميع أن عمر هذا المجتمع لا يتجاوز بضع مئات من السنين وليس له ارتباط وجذور تاريخية عميقة، وحاولت الآلة الإعلامية الخارجية بشتى الوسائل تجاهل تاريخ العرب عموما، والعمق التاريخي لهذه الأرض المباركة وعلاقتها بالحضارات السالفة؛ بل عدم الإشارة لا من قريب ولا من بعيد للأثر الإيجابي للإنسان السعودي ودوره في صناعة التاريخ وثقافة المكان، وكأن هذا المجتمع ليس من حقه أن يفخر بتاريخه ويرسم خطه الثقافي بين الأمم والحضارات.

لقد شددت الرؤية الوطنية 2030 على أهمية حماية التراث الوطني، والتراث الإسلامي، والموروث القديم وتمكين الجميع من الوصول للإرث التاريخي ونقله إلى الأجيال القادمة بوصفه رافدا من روافد السياحة وداعما للاقتصاد الوطني. كما أكدت الرؤية الوطنية على إحياء المواقع التراثية والتاريخية والتعامل معها كعمق تاريخي يرسخ الهوية الوطنية ويعبر عن تواصل الأجيال.

عندما نتحدث عن الحضارة السعودية فإننا نتحدث عن العمق التاريخي لهذه الأرض بوصفها تحتل موقعا بارزا في خريطة الحضارة الإنسانية والتي تركت آثارها شاهدة إلى يومنا هذا. كانت هذه الأرض ملتقى للحضارات بطرق التجارة التي ربطتها بوادي النيل وبلاد ما بين النهرين، ثم تعاقبت الحضارات الإنسانية على هذه الأرض لتترك خلفها إرثا تاريخيا على هيئة مواقع تاريخية، ومبان، وقصور، وقلاع، ونقوش حجرية، وأوان فخارية، ومقابر.

وتعد المملكة العربية السعودية من أغنى دول العالم في النقوش الحجرية التاريخية والتي أدرج بعضها في قائمة مواقع التراث العالمي. وقبل ذلك كله، هذه الأرض هي مهد الرسالة الإسلامية ومهبط الوحي ومكان مولد أشرف الخلق -صلى الله عليه وسلم-. ولست هنا بصدد الإسهاب عن قيمة المواقع التاريخية والاكتشافات الأثرية التي نطالعها بين الحين والآخر، والتي تؤكد على عمق الاستيطان البشري في المملكة العربية السعودية والممتد لفترات زمنية سحيقة تجاوزت 9 آلاف سنة قبل الميلاد.

لقد عبرت هذه المواقع التاريخية عن طبيعة الحياة وقدرة الإنسان في تطويع البيئة والتعامل مع معطيات الطبيعة، أعطت هذه المواقع التاريخية تصورا شموليا عن درجة الرقي والثقافة التي تمتع بها الإنسان الذي عاش في هذه الأرض عبر عنها بنقوش حجرية رمزية أكدت على حبه للصحراء، والفن، والشعر، والفروسية، والجمل، والسيوف، والخناجر، والصقور، وكلاب الصيد (السلوقي).

لقد روت هذه النقوش الحجرية قصص الحياة الاجتماعية، ورحلات الصيد، وملاحم البطولات، وحكايات الإبداع التي عاشها أسلافنا لتظل حتى يومنا هذا مخزونا للثقافة السعودية؛ بل هي الحضارة السعودية التي ولدت إنتاجا فكريا وثقافيا وماديا تراكميا تعاقب عبر الأمم والأجيال التي عاشت على هذه الأرض المباركة.

إن مشاريع الحفاظ على هذه المواقع التاريخية يجب أن تنطلق من استراتيجية شمولية ذات أبعاد تخدم المدينة وترسخ ارتباط الإنسان بالمكان، هذه المشاريع يجب ربطها في سياقها الحضري لتحقق العوائد الاقتصادية وتدعم إيرادات المدن وتعزز ارتباط المجتمع المحلي بجذوره الثقافية وأصالته وهويته الوطنية.

وختاما، علينا أن ندرك أن صيانة البنية المادية للمواقع التاريخية غير كافية دون أن نفهم أصل الحكاية منذ البداية؛ ونروج لثقافتنا المحلية؛ بل ونفخر بها، لتصبح المواقع التاريخية عندئذ شاهدا للحضارة السعودية.

https://makkahnewspaper.com/article/1562463

Attachment
Attachment Size
النص الأصلي 222.27 KB