التخطيط البيئي وازدواجية المفاهيم!

 التخطيط البيئي وازدواجية المفاهيم

لقد تأثرت العديد من الدول الصناعية كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا سلبا إبان الثورة الصناعية بمخرجات التصنيع غير المنضبط بسياسات بيئية سواء من خلال الآثار الصحية لدخان المصانع على سكان الأحياء القريبة أو الأساليب غير العملية في التخلص من النفايات وحرق الفحم. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الحكومات تدرك التأثير البيئي السلبي للنشاط الصناعي في ظل غياب السياسات البيئية التي تحمي بقاء الإنسان على قيد الحياة.

في عصر العولمة الاقتصادية والتطورات التقنية المتسارعة، نحن بحاجة إلى صياغة مفاهيم جديدة تحدد العلاقة بين البيئة والمجتمعات البشرية في سياقات العدالة والمساواة؛ ويشمل ذلك خطط الحفاظ على البيئة، ومنع الاستعمار الغذائي والذي أقصد به سيطرة المجموعات الغنية على الموارد على حساب الفقراء. ومع ذلك، فإن هيمنة الرأسمالية، وقوة المال، والصراع من أجل تحقيق مكاسب سريعة أمر لا مناص منه؛ إنه حكم القوي على الضعيف كما يقولون. وغني عن البيان ففي هذا العصر بالتحديد، يميل السلوك البشري نحو ازدواجية المفاهيم إن جاز التعبير.

فالأخذ بالسياسات العقلانية يكون أمرا حاسما لا يمكن التنازل عنه في بعض الحالات إذا كان ذلك يصب في مصلحة المجموعات الاقتصادية المهيمنة؛ في حين تكون اللاعقلانية وتطويع القوانين البيئية اتجاها رائجا عندما يتلاءم ذلك مع رغبات أصحاب النفوذ. هذا هو عصر «الانتحار الجماعي البطيء» كما وصفه Raymond L. Bryant في موضوع «التطلع إلى الهاوية: البيئة والبحث والعبث في عصر الغباء» ضمن كتاب «الدليل الدولي لعلم الاجتماع البيئي» حيث تميل بعض المجتمعات لاستنزاف ما لديها من موارد طبيعية دون تخطيط مستقبلي أو تدعي بمثالية زائفة الحفاظ على البيئة وهي أكبر مدمر لها.

إن انهيار الأسواق المالية، والإفلاس، والكوارث الاقتصادية يمكن تصنيفها ضمن المشاكل الاقتصادية التي لا يمكن التنبؤ بها. ومع ذلك، يُميز الاقتصاد بوضوح ما بين «المخاطرة» و«عدم اليقين» حيث تشير المخاطرة إلى الفعل معروف العواقب؛ أما عدم اليقين فهو الفعل غير معروف العواقب. وعلى نفس المنوال، أصبح التنبؤ بالتحديات البيئية في العصر الحديث أكثر صعوبة ويميل إلى الارتجال؛ بل وعدم اليقين أحيانا رغم تقدم وسائل البحث والتقنية؛ لذلك تحاول العديد من النظريات والنماذج تطوير إطار يحكم العلاقة بين الاقتصاد والبيئة ويساعد في إنشاء مجتمعات حضرية مستدامة على درجة عالية من الوعي والقدرة على التنبؤ بالأخطار البيئية المستقبلية.

إن تطوير السياسات البيئية يجب أن يُبنى من خلال فهم عميق للموارد المتاحة لدى المجتمع، والتخطيط من أجل استغلال هذه الموارد وإدارتها بكفاءة وعدالة وسن التشريعات والقوانين التي تردع المسيئين تجاه البيئة الطبيعية سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات وبشكل يحفظ حقوق الأجيال القادمة.

ومن الأهمية بمكان دعم التحول من السلوك الفردي إلى إدارة العمل الجماعي تجاه القضايا والكوارث البيئية. وفقا لهذا المنظور، فإن المنظمات المدنية أو المجموعات البيئة والتطوعية يمكن أن تسهم بفاعلية في تبادل المعلومات وتعبئة المجتمع ضد الأخطار البيئية المتوقعة ونشر الوعي البيئي، وتقوم هذه المبادرات المجتمعية من منطق أننا لا نستطيع التنبؤ بالكثير من المشاكل المتعلقة بالمستقبل البيئي الذي نعيش فيه؛ ولكننا على أقل تقدير نستطيع تقليل الضرر أو حتى السيطرة على إدارة الكوارث الطبيعية ومنع القلة العابثة من تدمير بيئتنا.

https://makkahnewspaper.com/article/1555871

Attachment
Attachment Size
النص الأصلي 270.37 KB