«ألعب مهاجم وإلا بخرب عليكم!»

العب معاجم ولا بخرب عليكم

قبل حوالي ثلاثين عاما كنا نلعب كرة القدم في الحارة على أرض ترابية مقابل المدرسة الابتدائية التي ندرس بها، وكان أحد الصبية المتسلطين يجبر الفريق على أن يتم اختياره ليلعب في مركز المهاجم؛ وإلا سوف يسحب الكرة ويغلق الملعب بالكامل ويشتكي علينا ويفعل الأفاعيل، كان يتفنن باختيار أفضل الماركات الرياضية ويتفاخر بقصة شعره على أحدث موضة. في الحقيقة، كنا نخشاه فلديه بنية قوية وسلطة كبيرة ونسايره ليلعب في المركز الذي يريد علما بأن هناك من هو أحق منه في هذا المركز ولكن حكم القوي على الضعيف!

كان يردد دوما بعبارة صريحة «أنا ألعب مهاجم وإلا بخرب عليكم!» لنجيبه بالموافقة ونطأطئ رؤوسنا الصغيرة اتقاء لشره، أما أنا فقد كنت ألعب في مركز الحراسة وهو الحلقة الأضعف والمركز الذي لا يرغب به أحد على الإطلاق، تحملت الإساءة والشتائم والأتربة والغبار الذي تطاير على عيني مع كل هدف يلج المرمى، وكأني أنا المسؤول عن ضعف مستوى الفريق، بينما يحصل هو على الثناء عند الفوز، والمواساة والطبطبة عند الخسارة، كل ذلك يحدث لأنه اللاعب المدلل، القوي، وصاحب السطوة، حاولت مرارا أن أجمع الفريق لنتحد ضد هذا المتسلط ونوقفه عند حده ففي الاتحاد قوة كما يقولون؛ ولكن كنا نخشى من تبعات ذلك في المستقبل لنتراجع في آخر لحظة.

بعد مضي ثلاثين عاما كبر هذا الطفل وأصبح يمارس سلطة «الطفل المدلل» والتي تربى عليها منذ الصغر على الموظفين والزملاء والمنظومة الإدارية بالكامل، الجميع يغض الطرف عن أفعاله الصبيانية ويسايره اتقاء للمشاكل وهكذا صنع الموظفون منه «البطل الهُمام»، ثم تمادى «الطفل الكبير» ليفرض آراءه على رؤسائه ويحصل على الثناء والمباركة مع كل خطوه يخطوها مجاملة له وكسبا لمودته، أصبحت الإنجازات تكرس له مقرونة بالتصفيق الحار دون أي ذكر لجهود فريق العمل والموظفين وكأنهم غير موجودين في المنظومة الإدارية، فتمجيد العمل الفردي ماركة مسجلة يفخر بها البعض.

يمارس هذا الطفل -أقصد الموظف- العمل دون منهجية تخطيط واضحة ويحاول فرض آرائه على البقية لتبني قرارات ارتجالية من الأعلى إلى الأسفل وبلا خطة تحدد المستهدفات تبنى على الموارد المتاحة وإطار حوكمة مشترك لمراقبة مستويات الأداء؛ فالقرارات غالبا ما تكون انفعالية ونابعة من انطباعات شخصية ودراسات متحيزة لم تخضع للتحكيم أو المداولة على ذوي الخبرة أو مجموعة أصحاب المصلحة.

لا تسجل هذه القرارات أي استقراء حقيقي يعكس الاحتياج الفعلي للمجتمع أو يحافظ على كفاءة واستدامة الموارد المتاحة. ونتيجة لذلك، يتم صياغة حلول دون مقاربة مع طبيعة المجتمع واحتياجاته أو حتى تطوير أدوات لقياس مستويات الرضا تترجم الاحتياجات الفعلية أو المشاكل الحقيقية التي يعاني منها المجتمع.

هذا الموظف يتبع نفس المنهج الذي اعتاد عليه منذ الصغر والذي ينص على «أنا ألعب مهاجم وإلا بخرب عليكم». فإما أن تتقبلوا آرائي الشخصية وتجاملوني دون نقاش أو جدال؛ وإلا سوف أزعل عليكم وأشتكي، وأحاول بشتى الوسائل إغراق السفينة بمن فيها ويخسر الجميع.

متى يعلم هذا وأمثاله أن نجاح المنظومة الإدارية مرهون بالتعاون والعمل الجماعي، متى يعلم هذا الموظف أن القائد الحقيقي هو من يمتلك سمة التحمل والإيثار وسعة البال والروية وحسن التدبير والقدرة على جمع الشمل نحو هدف واحد غايته المصلحة العامة وأدواته قياس التكلفة والعوائد المكتسبة، لقد ولى عصر العمل الفردي والاجتهادات العشوائية واليوم نقف على عتبة التنمية الشاملة والتي تتطلب حوكمة الأداء وحشد الجهد الجمعي للخبراء وتفعيل آليات المشاركة المجتمعية وصولا إلى مخرجات تحقق أهداف وطن طموحه يعانق عنان السماء.

Attachment
Attachment Size
النص الأصلي 258.28 KB