إشكالية مواقف السيارات في الأحياء السكنية

مشكلة مواقف السيارات

لقد أدى النمو السكاني في المدن الكبرى إلى تبني عدد من السياسات الإسكانية لتمكين الأسر من الحصول على مسكن ميسر ضمن حدود القدرة الاقتصادية.

ومع ذلك، اقتصرت معظم هذه السياسات وفقا للبعد العمراني المحض والمتمثل بترشيد استخدام الفراغات داخل الوحدة السكنية أو تجزئة الأراضي وفصل الوحدات السكنية بعيدا عن اتخاذ تدابير فاعلة لتحسين واقع السوق الإسكاني بشكل شمولي.

 إن تخطيط الأحياء السكنية يخضع لاعتبارات عديدة منها تحليل خصائص الموقع والعلاقة بالمحيط العمراني ومعدلات حجم الأسر، والاحتياجات الاجتماعية، واقتصاديات السكان.

وتشكل هذه الاعتبارات الأساس الذي يساعد المخطط العمراني على تطوير البدائل والخيارات المتعددة للتعامل مع توزيع الخدمات والمرافق وتقسيم قطع الأراضي وأنماط الإسكان.

وفي المجمل، يتم تقدير مساحة الاستخدام السكني المخصصة لكل أسرة، ونوعية الخدمات وتخطيط المواقف والشوارع المحلية بناء على معدلات قياسية Standards تستند على نتائج تحليل الكثافة والتركيبة السكانية.

وتساعد هذه المعدلات القياسية على تشكيل أنماط البنية المادية للمجاورة السكنية والمساحة المناسبة للفضاءات العامة. لذلك فإن تغيير خصائص الحي السكني بعد التنفيذ يفترض أن يتم في أضيق الأحوال وبشكل لا يؤثر على جودة وكفاءة الاستخدام.

كنت في زيارة الأسبوع الماضي لأحد الأحياء الجديدة شمال شرق مدينة الرياض، أكثر ما لفت انتباهي في الحي هو اصطفاف السيارات بشكل طولي لمحاولة توفير أكبر قدر من المساحة نظرا لعدم توفر مواقف للسيارات.. بالكاد كنت قادرا على المرور بالسيارة بين هذا الكم الكبير من المركبات المتوقفة على الرغم أن عرض الطريق يتجاوز 15م.

هذا الواقع يشير إلى إشكالية تتمثل في تكدس الوحدات السكنية الصغيرة (دبلوكسات) ضمن البلوك التخطيطي؛ في حين لا تعاني الأحياء السكنية التي تضم وحدات سكنية مستقلة (فلل كبيرة) من هذه الإشكالية.

إن المعايير التخطيطية الافتراضية للمساكن المنفصلة (الفيلات) تتطلب توفير موقفين على الأقل لكل مسكن، أما الشقق السكنية فيتم توفير موقف لكل شقة (وحدة سكنية)، ويراعى فصل مواقف الزوار عن مواقف السكان.

لقد تسبب نظام تجزئة الأراضي وفصل الوحدات السكنية بلا شك في زيادة عدد قطع الأراضي في البلوك التخطيطي الواحد ومعدلات الكثافات البنائية والسكانية دون بناء علاقة معيارية سليمة لمواقف السيارات مؤديا للزيادة حجم الطلب على مواقف السيارات.

على سبيل المثال، تجيز اشتراطات البناء تقسيم القطعة السكنية الواحدة ذات المساحة 400 م2 لبناء ست وحدات سكنية (شقق). كما أن قطع الأراضي السكنية ذات المساحة 600 م2 قد ينتج عنها تسع وحدات سكنية.

نتيجة لذلك، فإن إجمالي السكان المقيمين على مستوى البلوك التخطيطي يمكن أن يرتفع بنسبة تتراوح من 300%-500%، ويؤثر ذلك بشكل واضح على حجم الطلب على مواقف السيارات.

في الواقع، لم تؤثر التنظيمات الخاصة بتجزئة الأراضي وفصل الوحدات السكنية على سعر المتر المربع من الأرض أو العقار السكني؛ بل عملت على تجزئة القيمة الإجمالية وهو ما يعني بقاء أسعار العقارات السكنية على ماهي عليه، أو ارتفاعها في ظل زيادة الطلب، حيث أمكن تحمل هذا الارتفاع مقارنة بعدد الأسر المستفيدة.

وللأسف الشديد؛ فقد تم استغلال مثل هذا التنظيم من قبل بعض المستثمرين سعيا للربح السريع وذلك بإعادة تقسيم أراض واسعة النطاق وبناء وحدات سكنية للإيجار (بلوك سكني) دون توفير أي معالجات لمواقف السيارات أو حتى بناء مواقف تحت الأرض لتلك المجمعات السكنية الكبيرة.

باختصار، إن تطبيق مثل هذه التنظيمات يقتضي دراسة الموقع ومعرفة مدى قابليته للتقسيم قبل منح الترخيص أو العمل على معالجة الآثار السلبية مبكرا من خلال تخصيص مواقف سيارات خارجية أو مواقف أرضية للوحدات السكنية القابلة للتأجير. المهم ألا تكون أحياؤنا السكنية مرآة للفوضى البصرية وهدرا لحق الطريق.
https://makkahnewspaper.com/article/1547058

Attachment
Attachment Size
النص الأصلي 0 bytes