Skip to main content
User Image

أ. د. راشد بن حسين العبد الكريم

Professor

قسم المناهج وطرق التدريس

التعليم
0000
blog

رأي في منهج البحث المختلط Mixed Method

رأي في منهج البحث المختلط
أ.د. راشد العبد الكريم
منهج البحث المختلط Mixed Method هو المنهج الذي يجمع بين المنهج الكمي والمنهج النوعي – الكيفي - في البحث. ويأتي عادة بصور مختلفة، فيمكن أن يبدأ الباحث بالمنهج الكمي ويدعمه بالمنهج النوعي، أو يبدأ بالمنهج النوعي ثم يدعمه بالمنهج الكمي، أو يعمل الباحث بهما في الوقت ذاته. ويرى أنصار هذا التوجه (التوجه المختلط) أنه يعطي قوة ومزيدَ مصداقية للبحث. وقد اشتهر هذا المنهج عن خبير البحث النوعي كريسويل Creswell الذي كتب فيه كثيرا وحددا صورا متعددة له.  والذي يظهر لي أن (المنهج المختلط) في البحث لا يرقى لأن يكون منهجا مستقلا، لأسباب تتعلق بالأساس النظري للمنهجين، والفلسفة التي يقوم عليها البحث المختلط، واختصاص كل سؤال بمنجية مناسبة للبحث، بالإضافة إلى الرؤية الشمولية للبحث النوعي.

ظهر المنهج الكمي بناء على أسس فلسفية تتعلق بالرؤية الوضعية التي ترى أن الحقيقة تقع مستقلة وبشكل موضوعي خارج الذهن وأنه يمكن من خلال أساليب وتقنيات معينة الوصل إلى هذه الحقيقة وقياسها من خلال المقاييس الكمية، وترجمة ذلك كله من خلال لغة رياضية دقيقة. ولم تقتصر هذه الرؤية على العلوم الطبيعية، حيث نشأت في الأصل، بل امتدت إلى العلوم الإنسانية، رغبة من هذه العلوم بأن تكون "علما". فصار المنهج الكمي هو المنهج السائد في العلوم الإنسانية. وسارت الرؤية (ما بعد الوضعية)، إلى حد كبير، على ذات المنهج، خاصة في علم النفس والعلوم التطبيقية المرتبطة به وتحديدا في التربية. مع ظهور الرؤية (البنائية) والنظر للحقائق – خاصة الحقائق الاجتماعية الإنسانية – على أنها ليست مستقلة عن الوعي، كما في العلوم الطبيعية، وأنها – أو غالبها – حقائق مُنشأةٌ اجتماعيا، وأنها تفتقد الموضوعية، بل الذاتية جزء عضوي منها، لا يمكنها الانفكاك منها بحال، مع ظهور هذه الرؤية تزايدت الدعوات إلى ضرورة إيجاد منهج في البحث خاص بالعلوم الإنسانية يراعي خصائص الظاهرة الاجتماعية التي تختلف تماما عن الظاهرة الطبيعية. ويعد هذا هو العنصر الرئيس في الأساس النظري للبحث النوعي: اختلاف الظاهرة الاجتماعية عن الظاهرة الطبيعية. فالظاهرة الاجتماعية متفردة ومتغيرة ومتعددة الأسباب. المنهج الكمي يقوم على فرضيةِ تشابهِ الظاهرتين الإنسانية والطبيعية، وعلى إمكانية التعاطي الموضوعي مع الظاهرة الاجتماعية، كما في الظاهرة الطبيعية، وبالتالي قابليتها للضبط والتكميم (تقديرها بالكم). وينتج من هذا القدرةُ على تعميم النتائج، كما يتم التعميم في العلوم الطبيعية. بينما المنهج النوعي على خلاف ذلك تماما. فالمنهج النوعي يرى أن الظاهرة الاجتماعية مختلفة، ولا يمكن النظر إليها بموضوعية، وأن وعي الباحث والمشاركين جزء من الظاهرة، فبالتالي لا يعد تكميم الظاهرة بدقة أمرا ممكنا، فلا يمكن التعميم. ولذا حل (الفهم) – أي فهم الظاهرة المدروسة – محل (التفسير) _ أي تفسير الظواهر والبحث عن الأسباب الموضوعية لها والسعي لتعميم تلك التفسيرات.

فاختيار المنهج يتحدد برؤية الباحث الفلسفية لوجود الظاهرة، هل هي موضوعية ومستقلة وثابتة، أم يبنيها المجتمع الذي تظهر فيه، ويشارك في صياغتها الباحث أيضا بوعيه وتفسيراته. فهذان منطلقان مختلفان – بل متناقضان - لابد للباحث أن يختار أحدهما (على الأقل حيال قضية البحث)، ولا يمكن للباحث أن يتعاطى بهما جميعا مع ظاهرة واحدة. فإن كنتُ، مثلا، أرى أن (الدافعية للتحصيل) ظاهرة موضوعية منضبطة، يمكن تحديدها بدقة، ويتساوى فيها الطلبة، من حيث مفهومها، وأن الباحث يتعامل معها كما يتعامل الفيزيائي مع العناصر الفيزيائية في المعمل، فيمكن أن استخدم المنهج الكمي في قياسها. أما إن كنت أرى أنها (معنى) ذهني مجرد - أتصوره أنا - ليس موجودا في الواقع إلا في (أداء) الطالب فلان والطالب فلان...، كما أتصوره أنا، ويختلف تصور الدافعية من شخص لشخص ومن مجموعة لمجموعة، وتتغير تبعا للسياق الذي توجد فيه. ولم أختر هذا الموضوع (الدافعية) إلا لأن لدي اهتماما به – ولذلك لم أختر غيره، واخترت هذه المجموعة لسبب خاص بي، وهذه المجموعة من الطلاب لا يمكن ضبط المتغيرات الداخلية والخارجية التي تؤثر فيها، كما أن النتائج تظل مرتبطة بفهمي وتفسيري، إذا كنت أرى هذا كله، فلا يمكن أن يكون للكم ذات الدقة وذات الأهمية وذات المصداقية التي تكون له مع الظاهرة الطبيعية. ولهذا الاختلاف اشتدت الدعوة للمنهج النوعي. فالجمع بين المنهجين تعسف في الدمج بين رؤيتين فلسفيتين متضادتين.
السبب الثاني، الفلسفة التي يقوم عليها البحث المختلط وهي الفلسفة البراجماتية (أو النفعية أو العملية). يقوم البحث الكمي على الرؤية الوضعية (وما بعد الوضعية) ويقوم البحث النوعي أساسا على الرؤية ما بعد الحداثية أو البنائية، بينما يصرح كثير ممن يكتب في البحث المختلط بأن الفلسفة التي يقوم عليها البحث المختلط هي الرؤية البراجماتية. والرؤية البراجماتية رؤية تستند في تقرير الصواب والخطأ على قضية المنفعة ومدى عملية الأمر. فالنافع عمليا هو الصواب. وقد لا يكون عند من يتبنى هذه الرؤية إشكال في الاعتماد عليها لاتخاذ المنهج المختلط طريقة للبحث، لكن الملاحظ أن أكثر من يستخدمون المنهج المختلط لا يتبنون الرؤية البراجماتية. بل يتبنون الرؤية الوضعية أو البنائية. ومن هنا يتبنى هذا الفريق المنهج المختلط دون قناعة بالأساس النظري الذي قام عليه.
 
 
السبب الثالث من أسباب عدم إمكانية الجمع بين المنهجين، من وجهة نظري، أن من المتفق عليه أن (سؤال البحث) هو الذي يحدد المنهج المناسب، أو الصحيح. فمن الأسئلة البحثية ما يكون هدفه الكشف عن أعداد فقط، أو يكون معياره الأساس في التمييز أو الترجيح هو الرقم. فهذا لا شك أنه لا يناسب إلا المنهج الكمي. فسؤال مثل (كم عدد الطلاب الغائبين؟) أو (ما نسبة الغائبين؟) ونحو هذه الأسئلة فهذه لا يمكن الإجابة عنها إلا كميا. لكن عندما اريد أن أعرف ما أسباب الغياب؟ أو ما علاقة الغياب بالمشكلات الاجتماعية داخل الأسرة؟ فهذه أسئلة تحتاج إلى (فهم) ل (ظاهرة) الغياب، وكيف يراها المعنيون.
فلكل سؤال بطبيعته منهج صحيح أو أكثر مناسبة للإجابة، فالجمع بين منهجين نوع من التكلف الذي لا حاجة له، إنما دعا له عدم الثقة بقدرة منهج ما على الإجابة، أو نوع من (الحل الوسط) لاسترضاء الطرفين.

السبب الرابع الرؤية الشمولية للبحث النوعي، التي تعطيه القدرة على توظيف المعطيات العددية. فقد شاع لدى بعض المشتغلين بالبحث النوعي أن الفارق الأساس بين البحث النوعي البحث الكمي هو استخدام الأرقام والإحصاء. وبنوا على ذلك أن البحث النوعي يجب ألا يحوي أرقاما. وهذا غير صحيح. فالمنهج النوعي لا يتجاهل الأرقام، ولا يمكن القول إنه لا يستفيد من المعطيات العددية. فقد تكون من ضمن البيانات الأساسية في البحث النوعي. إذن ما الفارق بين البحث النوعي والبحث الكمي؟ الفارق هو أن كلمة الفصل في البحث الكمي للرقم وللعدد، بينما هي في البحث النوعي لنوع الدليل والمعطى لا لكمّه أو لكونه عددا. فقد تقول الأرقام شيئا لكن الباحث يخالفها بالنظر إلى (نوع) البيانات المخالفة. ومن هنا يمكن أن أستخدم ما أرى أنه يخدم بحثي من العمليات الحسابية (الإحصاء الوصفي) – وهذا شرط مهم - لكني أتعامل معها بمنظار نوعي، بمعنى أني لا أجعلها حاكمة نهائية في تقرير نتائج البحث. بل الفيصل في تقرير النتائج نوع البيانات وليس فقط كمها.

بهذه الرؤية أرى أنه تنتفي الحاجة أصلا للمنهج المختلط. بل يكون منهجا نوعيا، وتكون الأرقام – عند الحاجة - ضمن مدخلاته. فمجرد وجود الأرقام ضمن البيانات لا يقلب البحث كميا، أو يجعله مختلطا، بل الأرقام نوع من أنواع البيانات، كغيرها. بهذه الرؤية الشمولية يحافظ الباحث على اتساقه الفلسفي، ويتفادى التسليم بفلسفة (براجماتية) ربما لا تتوافق مع فلسفته الشخصية، ويلتزم باختيار المنهج المناسب لطبيعة سؤاله البحثي.
إن الجمع بين المنهجين الكمي والنوعي يعد نوعا من التعسف، وهو في كثير من الأحيان استكراه للوسائل بما يخالف المبادئ التي يفترض أن تتفرع منها، بدعوى الاستفادة من التوجهين، رغم أن التوجه النوعي قام في الأصل ثورة في وجه الرؤية الكمية بناء على مخالفته للأسس التي قام عليها. وبهذا فلا أرى في أكثر الأحيان إلا نوعا من التلفيق الذي قد لا يفيد كثيرا في دراسة الظواهر الاجتماعية.