خطبة النعمان بن المنذر أمام كسرى (نثر جاهلي). النثر القديم

خطبة النعمان بن المنذر في الرد على سخرية كسرى من العرب

 

النص منسوخ كاملا مع الشرح من موقع (شبكة الفصيح) في الرابط المرفق، وأنصح بقراءته من الموقع. وإنما نسخته هنا خشية من أن تُفقَدَ الصفحة لسبب تقني. [شكرا لصاحب الموضوع].
http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=35399
الموقع: شبكة الفصيح/ العنوان: جمهرة خطب العرب/ الكاتب: عبدالعزيز العمار/ تاريخ النشر: 9 يونيو2008.

 

قدِمَ النعمانُ بنُ المنذر ِ على كِسرى ، وعنده وفودُ الروم ِ والهندِ والصين ِ ، فذكروا مِن ملوكِهم وبلادِهم . فافتخرَ النعمان ُ بالعرب ِ وفضلـِهم على جميع ِ الأمم ِ ، لا يستثني فارسًا ولا غيرَها. فقالَ كسرى - وأخذتــْـه عزة ُ المُــلك ِ - يا نعمانُ ، لقد فكرتُ في أمر ِ العرب ِ وغيرِهم من َ الأمم ِ ، ونظرتُ في حال ِ مَن يَـقدُمُ عليّ مِن وفودِ الأمم ِ ، فوجدتُ الرومَ لها حظ ٌّ في اجتماع ِ ألفتـِـها ، وعِظم ِ سلطانـِـها ، وكثرةِ مدائنـِها ، ووثيق ِ بنيانِـها ، وأنّ لها دِيناً يبينُ حلالـَــها وحرامَها ، ويردُّ سفيهَها ، ويقيمُ جاهلـَـها . ورأيتُ الهندَ نحوًا مِن ذلك في حكمتِـها وطِـبـِّـها ، معَ كثرةِ أنهارِ بلادِها وثمارِها ، وعجيبِ صناعاتِها ، وطيب ِ أشجارِها ، ودقيق ِ حسابـِـها ، وكثرةِ عددِها . وكذلك الصينُ في اجتماعِها ، وكثرةِ صناعاتِ أيديها في آلةِ الحربِ وصناعةِ الحديدِ ، وفروسيتـِها وهمتـِها، وأنّ لها ملكًا يجمعُها . والتركُ والـخـَـزَرُ على ما بهم مِن سوءِ الحال ِ في المعاش ِ، وقلةِ الرِّيفِ(1) والثمارِ والحصونِ ، وما هو رأسُ عمارةِ الدنيا منَ المساكنِ والملابسِ ، لهم ملوكٌ تضمُّ قواصيَهم ، وتدبرُ أمرَهم ، ولم أرَ للعربِ شيئًا مِن خِصَالِ الخير ِفي أمرِ دينٍ ولا دُنياً ، ولا حزمَ ولا قوة َ معَ أنّ مما يدلُّ على مهانتِها وذُلــهَـا وصِغـَـر ِهمتِها مَــحِــلــَّــتـَـهم (2) التي هم بها مع الوحوش ِ النافرةِ ، والطيرِ الحائرةِ . يقتلون أولادَهم من الفاقـَـةِ ، ويأكلُ بعضُهم بعضًا منَ الحاجةِ . قد خرجوا مِن مطاعم ِ الدنيا وملابسِها ولهوِها ولذتِها . فأفضلُ طعامٍ ظفرَ به ناعمُهم لحومُ الإبل ِ التي يعافـُـها كثيرٌ منَ السباع ِ ، لثقلِها وسوءِ طعمِها وخوفِ دائِها . وإنْ قرى أحدُهم ضيفًا عدَّها مَكْرُمة ً ، وإنْ أطعمَ أكلة ً عدَّها غنيمة ً تنطقُ بذلك أشعارُهم ، وتفتخرُ بذلك رجالـُـهم ، ما خلا هذه التنوخية َ التي أسَّـسَ جدي اجتماعَها ، وشدَّ مملكتـَـها ، ومنعَها مِن عدوِّها ، فجرى لها ذلك إلى يومِنا هذا . وإنّ لها معَ ذلك آثارًا ولبوسًا (3)، وقرىً وحصونًا ، وأمورًا تشبه بعضَ أمورِ الناس ِ - يعني اليمن َ - ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلةِ والقِــلــَّـةِ، والفاقةِ والبؤس ِ، حتى تفتخروا وتريدوا أنْ تنزلوا فوقَ مراتبِ الناس ِ.

 

قالَ النعمان ُ:
" أصلحَ اللهُ الملكَ ، حـُــق َّ(4) لأمةٍ الملكُ منها أن يسموَ فضلـُـها، ويعظـُـمُ خطبـُـها ، وتعلو درجتــُـها إلا أنّ عندي جوابًا في كلِّ ما نطقَ به الملكُ ، وفي غيرِ ردٍّ عليه ، ولا تكذيب ٍ له ، فإن أمَّنني مِن غضبــِه نطقتُ به " . قالَ كسرى : قلْ ، فأنتَ آمنٌ.
فقالَ النعمانُ:
" أما أمتــُـكَ - أيها الملكُ - فليستْ تنازعُ في الفضل ِ ؛ لموضعـِها الذي هي به من عقولـِها وأحلامـِها ، وبَسْطـَـةِ مَــحـِـلـِّـها، وبُحـْـبــُوحةِ عزِّها ، وما أكرمَها اللهُ به مِن ولايةِ آبائـِـك وولايتـِـك. وأما الأممَ التي ذكرتَ ، فأيُّ أمةٍ تـَــقـْــرِنـُـها بالعربِ إلا فـَـضَلتـْـها. قالَ كِسرى : بماذا ؟
قالَ النعمانُ : بعزِّها ومنعتِها وحسن ِ وجوهِها وبأسِها وسخائِها وحكمةِ ألسنتِها وشدةِ عقولِها وأنفتِها ووفائِها.
فأما عزُّها ومنعتـُـها، فإنها لم تزلْ مجاورةً لآبائـِـك الذين دوَّخوا البلادَ ، ووطـَّـدوا الملكَ ، وقادوا الجـُـندَ ، لم يطمعْ فيهم طامعٌ، ولم ينلـْــهم نائلٌ ، حصونـُـهم ظهورُ خيلـِـهم ، ومهادُهم الأرضُ ، وسقوفـُـهم السماءُ ، وجُــنَّــتـُـهُمُ السيوفُ ، وعُــدَّتـُـهُم الصبرُ ؛ إذ غيرُها منَ الأمم ِ ، إنما عزُّها منَ الحجارةِ والطين ِ وجزائر ِ البحور ِ.
وأما حُسْنُ وجوهِها وألوانُها، فقد يعرفُ فضلـَـهم في ذلك على غيرِهم منَ الهندِ المُنْحَرفةِ ، والصينِ الــمُـــنــْحَــفـَـةِ ، والتركِ المُـشَـوَّهَـةِ ، والرومِ المُــقـَـشـَّـرةِ .
وأما أنسابُها وأحسابُها، فليستْ أمة ٌ منَ الأمم ِ إلا وقد جَهـِـلـَـتْ آباءَها وأصولــَـها وكثيرًا منْ أولِها ، حتى إنّ أحدَهم ليـُـسْألُ عمن وراءَ أبيه دنيًا (5)، فلا ينسبُه ولا يعرفـُـه ، وليسَ أحدٌ منَ العرب ِ إلا يُسمي آباءَه أبًا فأبًا، حاطوا بذلكَ أحسابَهم ، وحفظوا به أنسابـَـهم ، فلا يدخلُ رجلٌ في غيرِ قومِه ، ولا ينتسبُ إلى غيرِ نسبـِـه ، ولا يُـدعَى إلى غيرِ أبيه .
وأما سخاؤها ، فإنّ أدناهم رجلاً الذي تكونُ عندَه البـَـكـْـرَةُ والنابُ(6) ، عليها بلاغـُـهُ(7) في حُمُولِه(8) وشِــبـَـعِــه و رِيِّه ِ، فيطرقــُـه الطارقُ الذي يـَـكتـَـفي بالــفـَـلـْـذة ِ(9) ويجتزئُ بالشـَّـرْبةِ ، فيعقرُها له ، ويرضى أنْ يخرجَ عنْ دنياهُ كلـِّــها فيما يكسبُه من حُسْنِ الأحدوثةِ وطيبِ الذكرِ.
وأما حكمة ُ ألسنتـِهم ، فإنّ الله - تعالى - أعطاهم في أشعارِهم ورونق ِ كلامِهم وحسنِه ووزنِه وقوافيه معَ معرفتِهم بالأشياءِ ، وضربــِهم للأمثالِ ، وإبلاغِهم في الصفاتِ ما ليسَ لشيءٍ من ألسنةِ الأجناسِ . ثم خيلـُـهم أفضلُ الخيل ِ ، ونساؤهم أعفُّ النساء ِ ، ولباسُهم أفضلُ اللباس ِ ، ومعادنـُـهم الذهبُ والفضة ُ ، وحجارةُ جبالـِـهم الجَزْع ِ(10) ، ومطاياهم التي لا يبلغُ على مثلِها سفرٌ ولا يـُـقطعُ بمثلـِـها بلدٌ قــَـفـْـرٌ.
وأما دينـُـها وشريعتـُـها ، فإنهم متمسكون به ، حتى يبلغَ أحدُهم من نـُـسُـكِــه بدينِه أنّ لهم أشهرًا حُـرُمًا ، وبلدًا مُحَرَّمًا ، وبيتــًا محجوجًا ، ينسكون فيه مناسكـَـهم ، ويذبحون فيه ذبائحَـهم ، فيلقى الرجلُ قاتلَ أبيه أو أخيه ، وهو قادرٌ على أخـْـذِ ثأرِه وإدراكِ رَغـْـمِهِ(11) منه ، فيحجزُه كرمُه ، ويمنعُه دينـُـه عن تناولـِـه بأذىً .
وأما وفاؤها ، فإنّ أحدَهم يلحظ ُ اللحظة َ ، ويومئُ الإيماءة َ فهي وَلـْـثٌ(12) وعُــقدةٌ لا يحلــُّـها إلا خروجُ نـَـفـَـسِــهِ . وإنّ أحدَهم ليرفعُ عودًا منَ الأرضِ فيكونُ رهنًا بدينِه ،
فلا يـَـغـْـلَــَـقُ رهنـُـه(13) ، ولا تـُـخـْـفـَـرُ(14) ذمتــُـه. وإنّ أحدَهم ليبلغُه أنّ رجلاً استجارَ به ، وعسى أنْ يكونَ نائيًا عنْ دارِه، فيصابُ ، فلا يرضى حتى يفنيَ تلك القبيلة َ التي أصابتـْـه أو تفنى قبيلتــُـه ، لما أُخـْـفِــرَ من جوارِه ، وإنه ليلجأ ُ إليهم المجرمُ المُحْدِثُ منْ غيرِ مَعْرفةٍ ولا قرابةٍ ، فتكونُ أنفسُهم دونَ نفسِه ، وأموالـُـهم دونَ مالِه.
وأما قولـُــك - أيها الملكُ - : ( يئدون أولادَهم ) ، فإنما يفعلـُـه مَنْ يفعلـُـه منهم بالإناثِ أنفة ً منَ العار ِ وغـَـيـْـرَة ً منَ الأزواج ِ .
أما قولـُـك: ( إنّ أفضلَ طعامِهم لحومُ الإبل ِ ) على ما وصفتَ منها ، فما تركوا ما دونها إلا احتقارًا له ، فعمدوا إلى أجلـِّــها وأفضلـِـها ، فكانتْ مراكبـُـهم وطعامُهم ؛ معَ أنها أكثرُ البهائم ِ شحومًا ، وأطيبـُها لحومًا ، وأرقــُّـها ألبانًــا ، وأقلــُّـها غائلة ً(15) ، وأحلاها مَـضْـغـَة ً، وإنه لا شيءَ منَ اللــُّـحْـمَان ِ يُعَالجُ ما يُعَالجُ به لحمُها إلا استبانَ فضلـُـها عليه .
وأما تحاربُهم وأكــْـلُ بعضِهم بعضًا ، وتركـُـهم الانقيادَ لرجل ٍ يسوسُهم ويجمعُهم ؛ فإنما يفعلُ ذلك مَنْ يفعلـُـه منَ الأمم ِ إذا أنِسَتْ منْ نفسِها ضعفــًا ، وتخوَّفتْ نهوضُ عدوِّها إليها بالزحفِ، وإنه إنما يكونُ في المملكةِ العظيمةِ أهلُ بيتٍ واحدٍ يُعرفُ فضلـُـهم على سائرِ غيرِهم ، فيلقون إليهم أمورَهم ، وينقادون لهم بأزمَّــتـِـهم ، وأما العربُ فإنّ ذلك كثيرٌ فيهم ، حتى لقد حاولوا أنْ يكونوا ملوكــًا أجمعين ، مع أنـَـفـَـتـِـهم منْ أداءِ الخراج ِ والوَطـْـثِ(16) بالعـَــسْـــفِ.
وأما اليمنُ التي وصفَها الملكُ ، فإنما أتى جدَّ الملكَ الذي(17) أتاه عندَ غلبةَ الحُـبشِ له ، على مُلكٍ مُــتـَّـــسِــق ٍ ، وأمرٍ مجتمع ٍ ، فأتاه مسلوبًا طريدًا مستصرخًا قد تقاصرَ عن إيوائِه ، وصَغـُـرَ في عينه ما شـُــيـِّـدَ مِن بنائِه ؛ ولولا ما وترَ به مَن يليه مِنْ العربِ ، لمَال إلى مجالٍ ، ولوجدَ مَن يُجيدُ الطـِّــعَان ِ ، ويغضبُ للأحرارِ ، مِنْ غلبةِ العبيدِ الأشرارِ ".
1- الريف: أرض فيها زرع و خصب ، والسعة في المأكل والمشرب.
2- محلتهم: حلَّ المكان وبه يحل بالكسر والضم.
3- لبُــوسًـا: دروعًا.
4- حُـــق: حُــقَّ لك أن تفعل كذا ، وحققت أن تفعله بمعنىً.
5- دنيًا: تقول العرب : هو ابن عمي دنيًا ( بضم الدال وكسرها مع التنوين) أي : لحمًا.
6- الناب: الناقة المسنة.
7- بلاغه: البلاغ هو : الكفاية.
8- حموله: الحمول والأحمال جمع حمل.
9- الفلذة: القطعة من الشيء.
10- الجزع: ( بفتح الجيم وكسرها ) الخرز اليماني الصيني فيه سواد وبياض تـــُــشبه به العيون.
11-رغمه: الرغم الذل.
12- وَلـــْـــث: عهد.
13- يغلق رهنه: غـَــلقَ الرهن : استحقه المرتهن ، وذلك إذا لم يفتك في الوقت المشروط.
14- تخفر: خفر به ، وأخفره أي : نقض عهده وغدره.
15- غائلة: شرًّا.
16- الوطث: الضرب الشديد بالرجل على الأرض.
17- هو سيف بن ذي يزن.