Skip to main content
User Image

حسن بن جابر المدري الفيفي Hasan J. Alfaify

Assistant Professor

أستاذ الأدب والنقد المساعد، رئيس وحدة التطوير بكلية الآداب Assistant Professor of Classical Arabic Literature

العلوم اﻹنسانية واﻻجتماعية
1ب 48
blog

خصائص الفن والجمال في فكر الجاحظ. [نثر قديم (٢)]

هذا النص منسوخ من موقع [منار الإسلام]، من مقال لـ د. فريدة أولمو الزيتوني، بعنوان [القيد والحرية في جماليات الجاحظ “المرأة أنموذجا”]. وقد اقتصرنا منه هنا على "المبحث الرابع" لأنه الذي يهمنا في هذه المرحلة.
رابط المقال الأصلي:

 https://www.islamanar.com/restriction-and-freedom-in-the-aesthetics-of-…

------------------------

ترجمته: هو أبو عثمان بن عمر بن بحر بن محبوب الكناني، لقب بالجاحظ لجحوظ عينيه، وكان ذميم الوجه، قصير القامة. كان طموحا متعطشا لألوان المعرفة والفنون هائما بمطالعة الكتب. كما كان عصاميا، يعمل ويتعلم في آن واحد.

 

خصائص الفن والجمال في فكر الجاحظ.

ظهرت في العصر العباسي سخرية خاصة بأبي عثمان الجاحظ وبفكره وأدبه لا سيما في مجال الفكاهة والنقد والتصوير وقد ظهر تميزه عن غيره ممن سبقوه وعايشوه من خلال سبيلين هما:

أ-التلميح: فقد كان الجاحظ يلمح إلى الرذائل والآفات الاجتماعية وأنماط السلك الشاذة وغير الأخلاقية من خلال كتاباته المضحكة وقد قيل: “يدسها دسا بارعا، لا تكاد تراها إلا إذا كنت مطبوعا على فعلها جديرا بإدراك خفاياها، فإن أدركتها على هذه الصورة ألفيتها قارصة لاذعة، فياضة بمعاني التهكم الخفي…”
وإن كان هذا القول لأحد النقاد فهو يؤكد أنه يستخدم التلميح الساخر ويخاطب به العقول النيرة التي تستوعب خفاياه مثلما فعل في رسالة “التربيع والتدوير”.

ب- التصريح والتجريح: ويكون قصد الإصلاح بعد تبيان العيوب وإظهارها وقد قيل عنه في هذا أيضا : “فلا يكتفي فيها بالتعريض، بل يميل إلى إظهار الاستهزاء والتهكم على أنه يحصن نفسه بنطاق الذوق السليم في إخراج تهكمه الموجع".
ومعنى هذا أن الجاحظ كان يصرح بعيوب وقبح نماذجه الساخرة في قالب مهذب حتى لا يقع في الحرج، بل يسوق كلامه في قالب صريح لا يفهمه إلا كل مدرك واع ومن خلال هذين السبيلين تتضح معالم سخرية الجاحظ و خصائص فنه المتمثلة في:
-
التصوير: أوتي الجاحظ ملكة التصوير فكان فنان لامعا ومصورا مبدعا، يعبر عن المعاني بالصور المحسوسة، لا يفوته لون ولا يغفل عن حركة، كان دقيق الملاحظة، شديد الانكفاء على نواحي الحسن والقبح وقد انقسم التصوير في فن الجاحظ وكتاباته الساخرة إلى:

1-1- التصوير الكاريكاتوري: استخدم الجاحظ هذا اللون الفني في كتاباته مبرزا السمات الشاذة والعيوب المختلفة بغية إحداث أثر ضاحك من خلال منظر يصفه أو شخص يعايبه كما جاء على لسانه:
“…
ومن غريب ما أتيت، وبديع ما أعطيت أن لم نر مقدودا واسع الجفرة غيرك، ولا رشيقا مستفيض الخاصرة سواك، فأنت المديد وأنت الطويل، وأنت البسيط وأنت المتقارب، فيا شعرا  جمع الأعاريض ويا شخصا جمع الاستدارة والطول…”
إن ما نلاحظه في هذا النموذج التصويري أن الجاحظ خرج من المألوف العادي إلى الغرابة في الخلقة معتمدا في ذلك على المبالغة المفرطة والتضخيم التمثيلي والتلاعب بالألفاظ التي استغلها في إثبات صور بديعية (الجناس، الطباق…إلخ).
كما بين شكل الجسم الذي جمع بين المتناقضات فهو مقدود رشيق من جهة، وواسع مستفيض من جهة أخرى، وهذا ما يبعده عن وحدة النغم والوزن كالبيت الشعري الذي تجتمع فيه تفاعيل البحور وهذا ما يفقده الجمال الطبيعي انسجاما ليتحول الخصم من هيئة الاعتدال في بنية الأجسام إلى وجود تضاد وتنافر دلالة على افتقاد الجمال.

في هاتين الفقرتين نقف للجاحظ على صورتين:

  -الأولى حسية تنحصر في هيئة الخصم.

  -الثانية معنوية نستمدها من ادعاءاته المتعلقة بالقامة:

ومعنى هذا أن فن السخرية القائم على التصوير الكاريكاتوري الذي يقوم على إدراك الحركة التي لا تدرك لأول وهلة فيضخمها ويجعلها مرئية لدى كل الناس بحيث تبدو لنا متنافرة الأجزاء تنافرا يدنسها من التشويه (الضحك جماليا)، بقدر ما يبعدها عن الطبيعة الموجودة في النموذج البشري السوي بعدا يفقدها التوازن من حيث ينبغي أن يكون النظام.
وإضافة إلى الوصف الجسدي قدم لنا صورة نفسية معنوية نلتمسها في ادعاءاتها التي أسندها إليه على سبيل الهزل والسخرية ودلالة على اتساع أفق المخيلة في هذا الفن التصويري الجاحظي.

1-2- التصوير القصصي: كان الجاحظ خصب الخيال، يجيد القص ونقل المشاهد بكل تفاصيلها، وقد أدهش قارئيه في وصف الحركات الجسدية والمشاعر النفسية ومن أبرع تصويره الحسي ما حكاه على لسان الحارثي (أحمد) في كتابه “البخلاء” مصورا هيئة “علي الأسواري”  وهو يأكل إذ قال: “وما ظنكم برجل نهش بضعة لحم تعرقا، فبلغ ضرسه وهو لا يعلم، وكان إذا أكل ذهب عقله، وجحظت عينه وسكر وسدر، وانبهر، وتربد وجهه، وعصب ولم يسمع ولم يبصر، فلما رأيت ما يعتريه وما يعتري الطعام منه، صرت لا آذان له إلا ونحن نأكل التمر والجوز والباقلي (الفول)، ولم يفاجني (يفاجئني) قط وأنا آكل تمرا  إلا ستفه سفا، وحساه حسوا، وزاد به زدوا، ولا وجده كنيزا إلا تناول القطعة كجمجمة الثور".
   
لقد حاول الجاحظ تقديم سخرية علاجية لبعض الآفات والسلوكات غير الطبيعية فهو حين جاء بسلسلة من الأفعال الماضية فيما سلف وصفه حين قال: “كان إذا أكل ذهب عقله، وجحظت عيناه وسكر وسدر… إلخ”، أراد تنبيه القارئ والموصوف إلى ما يسلكه من سلوك جانح قصد تصحيحه وتجاوزه.

1-3- فن التصوير النفسي: اشتهر الجاحظ بهذا التصوير في أدبه الساخر وشبهته الدراسات النقدية إلى التصوير الكاتب اليوناني تيوفراست، توفي حوالي 258م Tioverst في كتابه “صور أخلاقية" ومتأثرا بأرسطو في كتابيه” أخلاق نيقوماكوس” و”أخلاق بودي موس”. هذا التصوير يتجه إلى وصف الأمور الباطنية وأثرها في المجتمع في خلال تصوير صاحبها فيبعده الجسمي وحركاته وأقواله على أن تكون كل التفاصيل الدقيقة الخارجية معبرة عن داخلية النفس وبواعث أفعالها، “ويتطلب هذا التصوير مقدرة فنية نادرة لانطواء النفس، وحتى تتضح المعلومات المستعصية دون أن يفطن أكثر الناس لدلالتها وتتألف من مجموع الخصائص والسمات التي تبين نمطا حيا من الناس، محددا كل التحديد لا يشتبه بغيره…“.

ولقد كان الجاحظ خبيرا في معرفة طبائع الناس، وأحاسيس النفس على اختلاف أصحابها من متملقين ومجاملين ووصوليون ومنافقين طلبا لإعجاب غيرهم بهم ونذكر على سبيل التوضيح والتمثيل قوله هذا واصفا البخلاء في روح فكهة انتقادية: “…وقد عرفوا بمذهب اجتماعي اقتصادي، يدعي مذهب “الجمع والمنع” وكانوا لا يتبرمون بالانتساب إليه، بل إنه كان عندهم كالنسب يجمع على التحاب وكالحلف الذي يجمع على التناصر، وكانوا إذا التقوا في حلقهم تذاكروا هذا الباب وتطاردوه وتدارسوه التماسا للفائدة واستمتاعا بذكره…”.

وفي موضع آخر يحلل مظاهر وأحوال أهل البصرة وما انطوت عليه أحاديثهم وأحوالهم وحركاتهم فيصور لنا قصة دجاجة أبو الهذيل العلاف قائلا: “كان أبو الهذيل أهدى إلى موريس دجاجة وكانت دجاجته التي أهداها دون ما كان يتخذ لموريس، ولكنه بكرمه وبحسن خلقه أظهر التعجب من سمنها، وطيب لحمها وكان يعرفه بالإمساك الشديد، فقال: “وكيف رأيت يا أبا عمران تلك الدجاجة، قال: كانت عجبا من العجب”، فيقول “وتدري ما جنسها” و “تدري ما سمنها؟” فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس والسن وتدري بأي شيء كنا نسميها وفي أي مكان كنا نعلقها فلا يزال في هذا، والآخر يضحك ضحكا نعرفه نحن ولا يعرفه أبو الهذيل…”.