إساءة استعمال السلطة في الوظيفة العامة وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية .

فرضية
الجريش, أ/سليمان بن محمد . 2002
نوع عمل المنشور
رسالة ماجستير
مدينة النشر
الرياض
وسوم
بحث علمي منشور
المدرسة
أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية
ملخص المنشورات

إساءة استعمال السلطة ليست أمرا حديثاً بل إنها موجودة في كل عصر من العصور ، إذ أن هذه الجريمة مرتبطة مع وجود السلطة نفسها ، وإذا كانت السلطة لها حدود ثابته فإن تجاوز هذه الحدود يعني إساءة استعمالها ، وبالتالي انحرافها عن الهدف ، ولهذا أوجبت التشريعات والأنظمة ضرورة الالتزام بالحدود الواجبة والمقررة لكل سلطة .
وفي الشريعة الإسلامية نجد أن الإسلام جرم هذا الفعل قبل أي نظام أخر ، حيث منع الظلم والاضرار بالناس ، ومنع الاعتداء على الحقوق ،ومنع أكل أموال الناس بالباطل ، وحرم الكسب الحرام بأي صورة تم تحقيقه ، ونهى عن الغش والخداع ،وأقر مبدأ تفضيل المصلحة العامة على المصالح الخاصة ، وتعامل مع الوظيفة من منطلق كونها أمانة وعد استغلالها أو إساءة استعمالها خيانة لهذه الامانة ،كما عد القيام بالواجبات المنوطة بالشخص من قبيل البر والتقوى الذي  يأمر به المولى سبحانه وتعالى بقولة :(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )، وعليه فإن أي تفريط في العمل وتضييع للواجبات وإساءة في استعمال المهام من قبيل التعاون على الإثم والعدوان .
وقد وقعت في العصر الأول للدولة الإسلامية صور من هذا الأمر ،واعتبرت من قبيل التجاوز على حقوق الأمة ،كما أقر الإسلام مبدأ العقوبات التي هي زواجر قبل الفعل روادع بعده .
وفي الأنظمة الجنائية تعد جريمة استعمال من الجرائم حديثة العهد ، وكانت متداخلة مع جرائم استغلال النفوذ أوغيرها من الجرائم وبقيت على هذه الحال في معظم التشريعات إلى أن وقعت قضايا تتطلب تكييف العمل ،فظهرت مسميات جديدة لهذه الجرائم ،كالاحتيال ،والاختلاس ،والتلاعب بالأنظمة إلى غير ذلك ،ثم ظهرت هذه الجريمة ضمن المحظورات الممنوعة على الموظف ، وحددت لبعض صورها عقوبات معينة كجرائم الرشوة والتزوير ونحوها ، ووردت الاشارة إلى كثير من صورها ضمن باب الاخلال بالواجبات الوظيفية ، ثم قامت بعض الدول بإيراد نصوص لتجريم هذا الفعل وجعلة مخالفة تستوجب العقاب .
وفي المملكة العربية السعودية أوليت هذه الجريمة اهتماماً مبكراً ،وورد لها تنظيم محدد من حيث العقوبات المقررة لها ،وكانت ضمن مفهوم (استغلال النفوذ ) حيث نصت المادة الثانية من المرسوم الملكي رقم 43 وتاريخ  19/11/1377هـ الفقرة (أ) على : (معاقبة كل موظف يثبت ارتكابه لجريمة استغلال نفوذ وظيفته لمصلحة شخصية في داخل الدائرة أو خارجها ، وذلك بسجنه لمدة لا تزيد عن عشر سنوات أو بغرامة لا تزيد عن عشرين ألف ريال ).  
كما نصت الفقرة الخامسة من هذه المادة على : (تطبق هذه العقوبة على من يسيء الاستعمال الإداري ، كالعبث بالأنظمة والأوامر والتعليمات على غير وجهها الصحيح أو غير موضعها بقصد الإضرار بمصلحة حكومية لقاء مصلحة شخصية , واستغلال النفوذ أياً كان نوعه في تفسير الأوامر وتنفيذها عن طريق مباشر أو غير مباشر) .
كما نصت الفقرة الثامنة من هذه المادة على : (تطبق هذه العقوبة على من يسيء المعاملة أو يقوم بالإكراه باسم الوظيفة ، كالتعذيب أو القسوة أو مصادرة الأموال ، وسلب الحريات الشخصية ، ويدخل في ذلك التغريم ،والتنكيل ، والسجن ، والنفي ،والإقامة الجبرية في جهة معينة ،ودخول المنازل بطريقة غير نظامية مشروعة  ,والإكراه على الإعارة أو الإجازة أو البيع أو الشراء ، وتحصيل ضرائب تزيد على المقادير المسحقة نظاماً).
كما نصت المادة الثالثة من المرسوم على أنه : (يحكم على من تثبت إدانته بالتعويض المناسب لمن أصابه ضرر ، وترد المبالغ التي أخذت بغير وجه شرعي إلى أربابها ).   
وهكذا جاء هذا المرسوم كأول نظام يوضح هذه الجرائم ويحدد ماهيتها عقوباتها بصورة إجمالية  ، ثم صدر المرسوم الملكي رقم 15 في 7 / 3 / 1382 هـ  الخاص بنظام مكافحة الرشوة الذي حل محلة النظام الحالي للرشوة الصادر بالمرسوم الملكي رقم ( م / 36) لعام 1412هـ  ، والذي عالج هذه الجريمة بصورة منفردة عن بقية جرائم إساءة استعمال السلطة.
   ولما صدر نظام الخدمة المدنية عام  1397 هـ جاء النص صريحا بتجريم إساءة استعمال السلطة ، حيث نصت المادة (12 / 1 )من هذا النظام على : ( أنه يحظر على الموظف إساءة استعمال السلطة الوظيفية) والفقرة ( ب ) حظرت استغلال النفوذ ، كما نصت المادة (12/1) من اللائحة التنفيذية للنظام على : ( أنه يحظر على الموظف استعمال سلطة وظيفته ونفوذها لمصالحه الخاصة ) ، وكانت هذه النصوص صريحة في تجريم إساءة استعمال السلطة وتمييزهــا عن جرائم استغلال النفوذ.
 من هذا الاستعراض يتبين اهتمام الشريعة والنظام بمحاربة هذا النوع من الجريمة من حيث كونها مخالفة تستوجب العقاب , وإن كانت الرؤية الجنائيـــة لــــها غير واضحة فيما يتعلق بالتكييف الوصفي لها ،والأركان الـلازمة لذلك ، حيــث لا يزال الغموض يكتنف جزءا منها ، ويجعله متداخلا مع جرائم استغلال النفوذ، وهذا ما سوف يتم التطرق إليه في هذا البحث الذي سيتناول صور إساءة استعمــال السلطة , ووسائلها ، وأساس التجريم فيها ، وأركانها ، وتمييزهــا عن الجرائم الأخرى ، والإتمام العالمي للحد منها ، ومعالجة الأسباب المؤدية أسباب تفشيها كظاهرة .