نمو المدن وثنائية استعمالات الأراضي والنقل؟!

نمو المدن وثنائية استعمالات الأراضي والنقل؟!

يتعاقب نمو المدن وفق مراحل زمنية وهو ما يؤدي إلى ظهور أحياء سكنية قديمة، وأخرى حديثة؛ كما تتباين مستويات الجودة فبعض الأحياء بنيت وفق مفاهيم عمرانية بعيدة عن اشتراطات البناء الحديثة. لذلك، يوصف التجديد العمراني بأنه إجراء منهجي ومستدام للقضاء على التداعي العمراني والحفاظ على المنطقة القديمة وتحسين البيئة العمرانية للأسر ذوي الدخل المنخفض والمتوسط وتطوير مراكز جديدة للنمو السكاني والنشاط الاقتصادي (O›Sullivan, 1992, p. 290).

إن تطوير الأحياء القديمة وأواسط المدن لا يقتضي بالضرورة إزالة مبانيها وصيانة الشوارع وتحسين الإطار الفيزيقي فحسب؛ بل الارتقاء بالبيئة العمرانية بشكل يتكامل مع عناصر المدينة الحديثة؛ وهو ما يعني بناء تشريعي ومادي يدعم اقتصاديات السكان ويحقق العدالة الاجتماعية. ويشمل ذلك تحسين الإسكان، وشبكات النقل، والخدمات العامة، وتوفير الفضاءات المفتوحة والفعاليات الاجتماعية وتقليص العوامل الضارة بالبيئة.

وفي هذا السياق يشير المبارك (2001، صفحة 201) إلى «تحول معظم مراكز المدن السعودية بفعل قوى السوق من النسيج العمراني التقليدي إلى ما نشاهده اليوم من أنماط مختلطة ضمن نسيج عمراني يجمع بين ملامح المدينة التقليدية والمنشآت متعددة الأدوار التي يغلب عليها الاستعمالات التجارية».

إن إعادة إحياء الأحياء القديمة ومراكز المدن يمكن أن تقود إلى استبدال بعض الهياكل العمرانية المتدهورة بهياكل عمرانية جديدة أكثر ربحية تدر عوائد اقتصادية على المدينة. ولكنها في الوقت ذاته، يجب أن تحافظ على استقرار النسيج الاجتماعي حيث يصاحب عمليات التطوير العمراني واسعة النطاق ارتفاع في أسعار العقارات واستبدال مصادر الدخل للسكان المحليين بمستويات لا تتلاءم مع مهاراتهم.

غالبا ما تحتوي المناطق القديمة على أحياء تقليدية وعناصر عمرانية تاريخية ذات قيمة سياحية عالية تتضمن أسواقا شعبية ومتحفا للماضي. ومع ذلك، يمكن إزالة بعض المناطق التي لا تشكل أهمية تاريخية كالعشوائيات أو المساكن المهجورة مع توفير بدائل للإسكان الميسر والحفاظ على طبيعة التكوين التقليدي لتلك الأحياء، وإعادة تخطيط المركز بالاستفادة من المناطق التي تم إزالتها واستبدالها بحدائق وميادين عامة.

طالعت في الأسبوع الماضي مقالا في صحيفة مكة للكاتب برجس البرجس بعنوان «فك الزحام وإعادة تطوير الأحياء القديمة» تناول فيه مقترحا بإعادة بناء الأحياء القديمة في أواسط المدن الكبيرة واستغلالها بمجمعات سكنية ومواجهة تحديات الازدحام المروري لاسيما مع رفع الكثافات في المدينة.

وأشار الكاتب إلى «توسعة بعض الطرق الرئيسة في المدن من خلال زيادة عرض الطرق لتكون 8 إلى 10 مسارات لكل اتجاه مثل الدائري الشمالي في مدينة الرياض وكذلك طريق الملك عبدالله وطريق الملك عبدالعزيز وأيضا الدائري الشرقي..»، مقترحا أن يتم ذلك من خلال نزع ملكية مبان بمسافة 200 إلى 300 م على جانبي تلك الطرق واستغلال المساحة المجاور للطريق الرئيس، حيث تبنى فيها عمائر تجارية ومجمعات بلازا ومطاعم وأسواق تموينات غذائية وخدمات رياضية وغيره..».

تختلف مفاهيم التخطيط والتجديد العمراني مع ما أشار له الكاتب في هذا الطرح - والخلاف لا يفسد للود قضية - فمعالجة الازدحام المروري في المدن لا يتم من خلال توسعة الشوارع؛ بل بإيجاد بدائل نقل أخرى وإعادة توزيع استعمالات الأراضي في المدينة بشكل يضمن من كفاءة استخدام النقل العام.

إن الدمج بين وظيفة الطريق كموصل للحركة مع استعمالات الأراضي التجارية ذات الكثافة العالية كمجمعات بلازا والعمائر التجارية سوف يسهم في زيادة الكثافة المرورية حتى وان تم زيادة عروض الشوارع؛ لكون هذه الاستعمالات في طبيعتها جاذبة للحركة. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الاستعمالات المقترحة تتطلب مواقف أفقية واسعة أو متعددة الأدوار.

إن الحل الناجع لمعالجة الازدحام المروري في المدن الكبرى ينطلق من تشريعات عمرانية تحد من توسع الاستعمالات التجارية على محاور الحركة الرئيسة وتجميعها بدلا من ذلك ضمن مراكز ترتبط بمسارات نقل عام يسهل الوصول لها؛ أو استخدام التطوير الموجه للنقل العام Transit-Oriented Development (TOD) وذلك بزيادة حجم الكثافة السكنية والتجارية في المناطق القريبة من محطات النقل العام كمحطات المترو أو محطات الحافلات وهكذا تتحقق الفائدة المرجوة من أنظمة النقل العام في المدن الكبرى.

كما يمكن توجيه النمو العمراني في المدينة للداخل بعيدا عن الأطراف من خلال استغلال الأراضي الفضاء في بناء مشاريع إسكان متعددة الكثافات.

ولعلي أختم مقالي بمقترح لتقليل عروض الطرق الرئيسة، بل وحتى الشوارع المحلية داخل الأحياء السكنية واستغلال المساحات الناتجة كساحات وفراغات عامة أو كمسارات للحافلات والدراجات والمشاة وزيادة الغطاء النباتي وبشكل ينسجم مع متطلبات أنسنة المدن.
https://makkahnewspaper.com/article/1543354
 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي267.51 كيلوبايت