استراتيجيات عملية لمعالجة العشوائيات

يعيش ما يقارب ربع سكان العالم في مناطق عشوائية تفتقر إلى أدنى متطلبات الحياة الكريمة.

إن ظاهرة النمو العشوائي في المدن تعد إحدى الاتجاهات المجتمعية للتعامل مع أزمة الإسكان من خلال بناء وحدات سكنية في أراض غير قابلة للاستيطان البشري وبشكل مخالف لأنظمة التخطيط العمراني.
 يتخذ سكان العشوائيات مناطق بعيدة عن الرقابة الحكومية كالجبال والسهول والأودية للاستقرار بها، ويتم البناء بشكل تدريجي وصولا لمستوطنات سكنية ذات اكتفاء ذاتي. وتتزايد التعديات غير القانونية والامتدادات العشوائية في الأراضي الهامشية أو تلك القريبة من المناطق الحيوية في المدينة.

في الحقيقة، توفر العشوائيات نمط حياة قائما على التضامن الاجتماعي والاقتصاد غير الرسمي، ويتأثر نموها على نطاق واسع بمتغيرات سوق الإسكان، والحوكمة الحضرية، وسياسات الإسكان.

ويرى البعض أن المناطق العشوائية هي بيئات عمرانية متداعية ليس لها مناص سوى التخلص منها وتعويض ساكنيها أو بناء مشاريع إسكان لاستيعابهم.

وعليه بدأت عمليات واسعة النطاق في العديد من الدول النامية للتخلص من العشوائيات بوصفها مناطق تشوه المشهد الحضري ولا تنسجم مع السياق العام في المدينة.

لقد أشار موئل الأمم المتحدة إلى أن حوالي مليوني شخص، معظمهم من سكان العشوائيات، يطردون قسرا كل عام. وهكذا فإن عمليات الإخلاء القسري لسكان العشوائيات لها عواقب وخيمة، حيث يظل الفقراء بلا مأوى ودون توفير أي بدائل سكنية مناسبة.

وتفتقر العديد من البلدان النامية إلى خطط شمولية لمعالجة تحديات توسع المناطق العشوائية، وتأتي الحلول في سياق الاجتهادات الفردية التي لا تأخذ في عين الاعتبار مبدأ المشاركة المجتمعية في صياغة قرارات التخطيط العمراني.

لقد فشلت معظم مشاريع الاستيطان من استيعاب سكان العشوائيات نتيجة لعدم ملاءمتها للنسيج الاجتماعي؛ ولكونها لا توفر نظاما معيشيا لتنمية اقتصاديات السكان.

هذه المشاريع البديلة يصفها خبراء التخطيط العمراني بأنها مجرد بيئات فيزيقية لا تحاكي البعد الاجتماعي والاقتصادي لسكان العشوائيات.

وفي هذا الاتجاه يعتقد Charles Correa في كتابه «الإسكان والتحضر: بناء حلول للناس والمدن» أن السياسات القائمة على إزالة العشوائيات وتقديم تعويضات لن توفر للسكان مسكنا ميسرا خارج نطاق منطقة العشوائيات.

إن سكان المناطق العشوائية لا يمتلكون المهارات التي تؤهلهم للعمل في السوق الرسمي، لذلك هم يفضلون الاستقرار في المناطق العشوائية ويرفضون الإقامة في مشاريع الإسكان العام أو البيئات السكنية المطورة لكونها لا تتماشى مع النسيج الاجتماعي والاقتصادي لسكان العشوائيات.

وأنا أضيف أن هناك خللا في المنظور الاستراتيجي حول ما تقدمه المناطق العشوائية من دروس يجب ألا تغيب عن ذهنية الباحث الحصيف في مجال الإسكان. ولعل أبرزها يتمثل في قدرة سكان العشوائيات في تطوير البيئة السكنية بجهود مجتمعية تفتقر إلى التنظيم القانوني؛ ولكنها لا تفتقر إلى ثقافة التنظيم المجتمعي والتعاون الاقتصادي.

لقد أضحت الحاجة ماسة إلى تبني استراتيجيات عملية للتعامل مع المناطق العشوائية بعيدا عن اتجاهات التطوير الشامل والتي قد تستنزف الموارد الحكومية.

واليوم نستبشر خيرا بتطوير خطة متكاملة لمعالجة وضع المناطق العشوائية في جميع أمانات المناطق ومن المأمول أن تأخذ في عين الاعتبار التجارب والسياسات العملية والدروس المستفادة في التعامل مع المناطق العشوائية. هذه الخطة كما أعلن عنها تقوم على أسس المشاركة الفعالة، والتطوير الذاتي، والشراكة المجتمعية لضمان نجاح مشاريع معالجة وضع العشوائيات ضمن إطار يتماشى ومستهدفات الرؤية الوطنية 2030.

https://makkahnewspaper.com/article/1538922

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي246.78 كيلوبايت