الممشى صناعة مشكلة أم حل لقضية!

الممشى صناعة مشكلة أم حل لقضية!

الممشى هو ممر أو طريق مرصوف للمرور يصل طوله إلى أكثر من كيلومتر ويخصص عادة للتنزه أو لممارسة رياضة المشي. وفي اللغة العربية يقال تمشَّى الشخص وغيره: مشى في مهلة، جال ابتغاء النزهة، تنزه سيرا على الأقدام. ومن ذلك يقال تمشَّى الدواء في جسمه: أي سرى مفعوله (معجم المعاني الجامع). وقد يتضمن الممشى تجهيزات خاصة كمضمار للجري، وكراس للجلوس، وألعاب رياضية، ومساحات خضراء بل وحتى ألعاب للأطفال. والأصل أن يقام الممشى بجوار أو ضمن منطقة مخصصة للتنزه مثل الأودية أو الأنهار أو القنوات المائية أو المطلات الطبيعية، أو كجزء من الواجهة البحرية أو الحديقة العامة.

تعكف العديد من إدارات المدن والبلديات على تطوير وتأهيل المحاور الشريطية على طول امتداد الخدمات الحكومية أو الفراغات الضائعة وحتى الجزر الوسطية بين الطرق العامة ورصفها وزراعة الأشجار حولها وتركيب أعمدة الإنارة المخصصة للمشاة وتزويدها ببعض الخدمات لتتحول في نهاية المطاف إلى ممشى عام. ومع ذلك، تبقى عملية اختيار المواقع المناسبة للتأهيل أمر حاسم في نجاح مثل تلك المشاريع. ولعلي أستذكر في هذا السياق الممشى الشهير في مدينة الرياض والواقع على طريق الملك عبدالله والذي كان يعرف سابقا بممشى الحوامل وكان يعج بالمشاة حتى قبل تأهيله، وهو ما يؤكد أهمية تلمس احتياجات المجتمع قبل الشروع في عمليات التطوير العمراني.

على أي حال وبعيدا عن ذلك كله، أرى أن ظاهرة الاهتمام بتطوير مسارات المشاة العامة وإن كانت عملا إيجابيا يحاول أن يستوعب شغف المجتمع نحو ممارسة رياضة المشي؛ إلا أنها لا تعكس الاحتياج الجوهري المتأصل في الأحياء السكنية، والتي من الأجدر أن ينطلق منها هذا الاهتمام ليكون المشي جزءا من ثقافة المجتمع اليومية. إن المتتبع الحصيف لواقع معظم أحيائنا السكنية يجدها تفتقر إلى أدنى اهتمام بالمشاة. هذه الأحياء السكنية لا تحتوي على ساحات، وميادين عامة، وملاعب أطفال؛ بل وحتى أرصفة صالحة للمشي. ويغلب على هذه الأحياء السكنية المساحات الإسفلتية والشوارع التي تصل عروضها إلى أكثر من 20 مترا لتشكل عبئا إضافيا على إدارات المدن في الصيانة والتأهيل؛ ناهيك عن الانبعاث الحراري الشديد الصادر من هذه المساحات الإسفلتية. وعلى الرغم من كون هذه الشوارع المحلية لا تستوعب كثافات مرورية عالية إلا أنها واسعة، وهو ما يزيد من سرعة المركبات داخل هذه الأحياء، وفي النهاية تبتكر الحلول الخلاقة بالمطبات الصناعية التي أصبحت بمثابة صناعة مشكلة لحل قضية أزلية طال انتظارها!

ومن باب أولى أن ينصب الاهتمام بتأهيل الأحياء السكنية وتعزيز قابليتها للتحول لخدمة المشاة؛ وعندئذ تنتفي الحاجة إلى تطوير ميادين عامة للمشاة يشد لها الرحال! ولست أرى أن تأهيل الأحياء السكنية الحالية معضلة كبرى لدرجة تستلزم أن يتم تجاهلها لتطوير ممشى خارج نطاقها. إن تأهيل الأحياء السكنية يمكن أن يبدأ بتطوير منظومة مشي تعزز الاتصالية بين خدمات الحي من خلال التحويل الجزئي لبعض الشوارع التي تخترق المجاورات السكنية أو تلك الشوارع ذات العروض الواسعة وغير المستغلة إلى مسارات مشاة رئيسة تتفرع منها أرصفة مشاة تتصل مع الخدمات الرئيسة في الحي السكني كالمساجد والمدارس والمراكز الصحية. كما يمكن إقفال بعض مداخل الأحياء السكنية الفرعية وتحويل شوارعها إلى ممرات مرصوفة للمشاة، ومسارات للدراجات، واستغلال بعض المساحات الاسفلتية الضائعة كساحات عامة، عندها يكون المشي ثقافة متأصلة في الحي السكني.

 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي227.05 كيلوبايت