التهميش الاجتماعي في المدن!

التهميش الاجتماعي في المدن

يعد التهميش أو الاستبعاد الاجتماعي Social exclusion من أهم القضايا المرتبطة بمظاهر الحياة في المدن، حيث تعاني بعض الفئات الاجتماعية من صعوبة الوصول الكامل إلى الفرص والموارد التي تتوفر عادة لكل أفراد المجتمع، كالحق في السكن والعمل والرعاية الصحية.

ويمكن القول إن التهميش الاجتماعي يشير إلى انهيار العلاقة الرابطة بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها اجتماعيا وجسديا. إن التهميش الاجتماعي في المدن له مظاهر عدة، كالتمييز العنصري أو الطبقي، والتوزيع غير العادل للموارد، وارتفاع معدلات البطالة، والتباين في مستويات جودة الحياة في الأحياء السكنية.

ولا يقتصر التهميش الاجتماعي على أنساق اجتماعية محددة؛ بل يمتد ليشمل الأمم والقوميات التي تستبعد لكونها لا تشارك بفعالية ضمن الاقتصاد العالمي في عصر العولمة.

ويأتي التهميش الاجتماعي كأحد نتائج المدنية التي أذابت أنماط الحياة الريفية القائمة على العلاقات العاطفية، لتستبدلها بالعلاقات العملية والقائمة على المصالح المتبادلة بين أفراد المجتمع.

تتسع الفجوة بين الفقراء والأغنياء في المدن نتيجة التباين في الفرص المتاحة، حيث تشعر بعض الفئات الاجتماعية بالتهميش أو الإقصاء، لأن تخطيط المدينة لا يعزز مبدأ الإدماج الاجتماعي، هذا التخطيط يتأثر بعدد من العوامل التي تشكل الأنماط العمرانية ومنها قوى السوق والنشاط العقاري، سواء في تقسيمات الأراضي أو الخدمات والبنية التحتية وحتى الطرق التي يتم تخصيصها للسيارات دون اعتبار لحقوق المشاة أو النقل العام. تتمتع بعض الأحياء السكنية والضواحي بكل سبل الرفاهية والمزايا الحضرية لخدمة الطبقات الميسورة، في حين تعجز السياسات الحضرية عن مقاربة الفجوات التعليمية والاجتماعية والاقتصادية بين السكان في المدينة، ويظل البعض غير قادر على الحصول على مسكن لائق؛ ليعيش في أحياء سكنية دون خدمات أو بمستويات معيشية أقل من المأمول.

تبقى بعض الفئات الاجتماعية غير قادرة على الانصهار مع المجتمع نتيجة ضعف الإمكانات الاقتصادية أو لاختلافات عرقية، لترتضي العيش بمفردها ضمن أحياء سكنية أشبه بمناطق منعزلة داخل المدن، عرفت بمسميات مختلفة مثل Ghetto؛ لتصبح المدينة عندئذ مسرحا متناقضا يجمع بين التطور العمراني والتهميش الاجتماعي الذي تتجلى صوره في انتشار المناطق العشوائية الهامشية على أطراف المدن وأحياء البؤساء.

إن التخطيط العمراني يلعب دورا مهما في تطوير السياسات العادلة في توزيع الموارد وآليات المشاركة المجتمعية، لا سيما للفئات المحرومة أو الأقليات في المدن، ولكنه في الوقت نفسه قد يسهم في تفاقم التهميش الاجتماعي، عندما يتم تبني التخطيط (الفني) المحض، حيث تركز ضوابط تطوير الأراضي أحيانا على البعد المكاني في تقسيم المناطق دون الإدراك الشمولي بطبيعة المجتمع واقتصاديات السكان.

يعمل المخططون في نموذج التخطيط (الفني) بشكل فردي دون إشراك المجتمع الذي يتضرر تلقائيا من نتائج العملية التخطيطية.

إن سياسات التخطيط العادل يمكن أن تسهم في الحد من الشعور بالتهميش بل وتعزيز الإدماج الاجتماعي داخل المدن، من خلال تطوير ثقافة اللامركزية والعمل التشاركي الذي يدعم التنوع الثقافي في المدن، كما يمكن تقليل الفجوات الاقتصادية بين السكان من خلال تطوير برامج الرعاية الاجتماعية وإعانات الإسكان وإعانات الشيخوخة والمرض، وعلاوة على ذلك فإن تحسين سوق العمل وتأهيل الأحياء السكنية المتدهورة عمرانيا بمشاركة القطاع الخاص، وتطوير برامج إسكان تستهدف الأسر الأشد حاجة يمكن أن تقلل الفجوة وتعزز مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع لتصبح المدينة حقا للجميع!
https://makkahnewspaper.com/article/1535560
 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي261.76 كيلوبايت