التخطيط لإمدادات المياه في المدن

التخطيط لإمدادات المياه في المدن

يعد النمو السكاني في المدن وسيلة لتحقيق التنمية والازدهار الاقتصادي، ويأتي دور التخطيط العمراني في تعزيز استدامة المدن من خلال مواءمة الزيادة المستقبلية للسكان مع الموارد المتاحة دون تدمير أو تعطيل أو استنزاف وذلك للحفاظ على حقوق الأجيال القادمة.

وتعد قضية توفير إمدادات المياه إحدى القضايا الهامة التي تواجه إدارات المدن الكبرى، بل إن القضايا المائية أصبحت اليوم موضع صراعات بين الدول التي تطل على مصادر المياه العذبة. لذلك، تعمل إدارات المدن على تطوير سياسات لمواجهة تحديات النمو السكاني والطلب على الموارد وبما يتسق مع أهداف التنمية المستدامة.

لقد تبنت الرؤية الوطنية 2030 عددا من البرامج والمبادرات الطموحة التي تعزز الجهود في سبيل تحقيق التنمية المستدامة. وفي هذا الإطار أشارت الاستراتيجية الوطنية للمياه إلى ضرورة توفير «قطاع مياه مستدام ينمي الموارد المائية ويحافظ عليها ويصون البيئة ويوفر إمداد آمن وخدمات عالية الجودة والكفاءة تسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية».

وتشير الإحصاءات إلى أن 13% من حجم الاستهلاك للمياه يذهب للأغراض البلدية، في حين تستهلك 82% من مصادر المياه للأغراض الزراعية، والنسبة المتبقية للأغراض الصناعية. كما يشير تقرير أهداف التنمية المستدامة إلى أن نسبة المياه المحلاة تشكل 61% من إجمالي مياه الشرب، في حين تشكل النسبة الباقية المياه المنتجة من الآبار والسدود. وهو ما يعني أهمية تطوير سياسات لترشيد استخدامات المياه، ولا سيما مع ندرة موارد المياه الجوفية.

وتقدم مدينة أشلاند والواقعة في ولاية أوريغون الأمريكية مثالا على دور التخطيط في تطوير السيناريوهات المستقبلية لمواجهة تحديات إمدادات المياه في المدن. هذه المدينة الصغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 21 ألف نسمة، وتقع على مقربة من جدول مائي يشكل المصدر الرئيس للمياه العذبة. ومع ذلك، عكفت إدارة المدينة على تطوير خطة استراتيجية لإمدادات المياه نظرا للزيادة المتوقعة للسكان من 16,700 نسمة إلى 21,281 نسمة في عام 2019، أي إن إجمالي الزيادة المتوقعة للسكان لن يزيد على 5000 نسمة.

لقد طَور الجهاز التخطيطي في المدينة نموذجا لاستقراء التحديات المستقبلية في الطلب على المياه وتقدير حجم العجز والسيناريوهات المتوقعة حتى عام 2060. اعتمد تطوير هذا النموذج على تحليل النمو السكاني واتجاهات التنمية الحضرية، والموارد المائية المتاحة، والتغيرات المناخية. وعليه فقد وضعت إدارة المدينة سيناريوهات لمستقبل الأمن المائي في المدينة تتضمن احتمالية الجفاف مع تغيرات مناخية وهو السيناريو الأسوأ للمدينة.

وتبعا لذلك وضعت المدينة ثلاثة بدائل للتعامل مع التحديات المستقبلية. البديل الأول اعتمد على توفير خزان للمياه من خلال بناء السدود وقُدرت تكلفة المشروع بحوالي 11 مليون دولار. تم استبعاد هذا البديل لأن تنفيذه سوف يهدد البيئة الطبيعية ويساهم في انقراض بعض الحيوانات والنباتات. أما البديل الثاني فقد اقترح تأسيس خط أنابيب من خارج المدينة يتصل بالأنهار المجاورة، وقُدرت تكلفة التنفيذ بحوالي 7.7 ملايين دولار.

في حين تناول البديل الثالث تطوير برنامج كفاءة المياه يعتمد على آليات لترشيد استهلاك المياه وتشجيع استخدام البدائل الاقتصادية ورفع الوعي المجتمعي، وقُدرت تكلفة البرنامج بأقل من مليون دولار. لذلك، قررت إدارة المدينة اعتماد هذا البديل نظرا لتوافقه مع اقتصاديات المدينة، والبيئة الطبيعية، وسهولة التنفيذ. باختصار، لقد ساهم البرنامج في توفير إمدادات المياه في المدينة وحقق عديدا من العوائد غير الاقتصادية، مثل الحفاظ على البيئة الطبيعية والحياة البرية، وعزز من استدامة المياه في المدينة.

بات من المهم مراجعة هذه التجارب واستنباط الدروس المستفادة منها في تنمية المدن.

https://makkahnewspaper.com/article/1531756