إشكاليات المركزية في التخطيط العمراني

إشكاليات المركزية في التخطيط العمراني

يبدأ الفكر التخطيطي المركزي (Centralization) من خلال تحديد الأهداف التي تتطلع لها المؤسسة، حيث تكون الجهة المخططة في الغالب مسؤولة عن تطوير السياسات العامة التي ترفع من مستوى التنافسية والكفاءة والإنتاجية في المدينة. ومع ذلك تتجه بعض المدن إلى محاولة منح الصلاحيات المحدودة إلى الإدارات الفرعية بغرض تخفيف الأعباء ولكن مع احتفاظ الجهاز المركزي بكامل الصلاحيات الإدارية والتنفيذية. بمعنى آخر، تلك التقسيمات الهيكلية تعتمد على مبدأ إعادة توزيع المهام وفق إطار المركزية من خلال نقل بعض المسؤوليات من المركز إلى إدارات أخرى؛ ولكن دون إعطاء تلك المراكز الفرعية صلاحية اتخاذ القرار بشكل يعكس احتياجات وطبيعة كل منطقة سكنية. وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى انشغال الجهاز المركزي بالمسؤوليات الإدارية والأعباء التشغيلية والرقابية بعيدا عن الأهداف الاستراتيجية التي يتطلع لها مجتمع المدينة. إن أبرز إشكاليات المركزية في التخطيط العمراني تتمثل في عدم مراعاة التباين في الخصائص الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية بين الأقاليم، والمدن، والأحياء السكنية. ويعتمد تمويل المشاريع العمرانية على سلسلة طويلة من الإجراءات البيروقراطية تحت مظلة الإدارة المركزية. ومن مشاكل هذا النموذج أنه يفترض أن الجهة المخططة هي الأعلم والأقدر على فهم المشاكل العمرانية ومعالجتها بحيث تكون قادرة على وضع حلول تخدم جميع أفراد المجتمع بطريقة متوازنة وعلى درجة عالية من العدالة. وفي هذا الإطار يتم تطوير السياسات والأهداف التي ترسم اتجاهات المدينة من أعلى الهرم الإداري مملين بذلك مجموعة من الحلول والقرارات على المجتمع من المنظور الخاص بهم لكونهم يتمتعون بالحيادية المطلقة! يعتمد هذا النهج التقليدي غالبا على الخطة الأحادية (Unitary Plan) بدون أي مدخلات خارجية لتحسين الخطة أو المراجعة أو النقد أو حرية اختيار البيئات الحضرية. كما تركز هذه الخطة غالبا على الجانب المادي (Physical) كمنتج لتلبية مطالبات السكان بغض النظر عن ملاءمته للنسيج الاجتماعي والاقتصادي. لذلك، من الصعوبة بمكان مشاركة السكان أو المستفيدين لصياغة قرارات تخطيط تسيطر عليها إدارة مركزية. ونظرا لضعف المدخلات الاجتماعية، فقد يميل التخطيط في هذه الحالة لخدمة المستثمرين وأصحاب المصالح والمتنفذين على حساب المصلحة العامة للمجتمع. إن صياغة السياسات الحديثة في التخطيط تتطلب مشاركة كافة الأطراف المؤثرة بما فيها آراء السكان حول المنتج العمراني قبل اعتماده. وغني عن البيان أن إشراك المجتمع لا يعني تغييب دور جهات التخطيط، فالجانب المعرفي للمُخطط مهم في صياغة الخطط التنموية. لذلك، يجب أن يتمتع المُخطط بالمعرفة الواسعة في مختلف المجالات حتى يتمكن من التعامل مع العديد من القضايا في مجال التخطيط والتنمية العمرانية. إن الاتجاهات الحديثة في التخطيط وصناعة القرار تعزز من فعالية الإدارات الفرعية للقيام بأدوارها تحت إشراف المجالس المحلية، التي تمثل إطارا لحوكمة قرارات نابعة من مشاركة حقيقة من كافة أطياف المجتمع. وتضطلع الجهات التخطيطية في تطوير السياسات العمرانية للمدينة مع منح صلاحيات تتمتع بالاستقلالية والمرونة للإدارات الفرعية، وهي بذلك تشجع التعددية، والتنوع في أنماط التخطيط بما يتوافق مع طبيعة وخصائص كل منطقة. كما تعزز من مبدأ الاستماع إلى مجموعات المصالح المختلفة وتمنح المخططين فرصة للتفاوض وتعديل الخطة لتحقيق التوافق بين المصالح المتضاربة وتقويم المنتج العمراني بما يتماشى مع رغبات واحتياجات المجتمع. 
https://makkahnewspaper.com/article/1531217
 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي234.25 كيلوبايت