تخطيط المدن في إطار الأجندة الاقتصادية

كرس عديد من الفلاسفة جهودا طويلة المدى للوصول إلى مقترحات لمدينة فاضلة تحقق أعلى مستويات السعادة والمعاني الإنسانية، وتعزز مبادئ الترابط والمساواة بين سكانها. وتتأسس هذه المدينة من خلال بناء مجتمع إنساني تكافلي قبل بناء الكيانات المادية. لقد تبنى عديد من المخططين أفكارا ورؤى ركزت على تطوير الجوانب الفيزيقية والشكل العمراني للمدينة من أجل تحقيق أهداف الرفاه الاجتماعي. ارتبطت هذه الأفكار والرؤى بعوامل اقتصادية، وسياسية، وتقنية تزامنت مع الظروف والسياقات التي تعيشها المرحلة. تداخلت الأنشطة الصناعية والخدمات اللوجستية عنوة ضمن نسيج المدينة في فترة الثورة الصناعية. وصاحب ذلك آثار سلبية تمثلت بانتشار الملوثات وأدخنة المصانع، والتمييز العنصري بين الفقراء والأغنياء. وبعد الحرب العالمية الثانية كانت المدن الأوروبية والأمريكية على موعد مع عمليات التجديد الحضري واسعة النطاق حيث أزيلت العديد من المناطق المتدهورة عمرانيا لتحل محلها مناطق عمرانية تنسجم وطبيعة التحول نحو الحداثة والتمدن في تلك الفترة. وجاءت مرحلة التقدم التكنولوجي وتقنيات الاتصال لتلقي بظلالها على اقتصاد المدن، فتلاشت العلاقة المكانية للنشاط الاقتصادي وأصبحت المدينة حينها جزءا من شبكة حضرية عالمية. لقد وضع Ebenezer Howard قبل قرن تصورا لمدينة بلا مشاكل، هذه المدينة تقدم خدمات للسكان وفي الوقت نفسه تحقق الراحة والرفاهية لهم. حاول أن يجمع بين خصائص المدينة الصناعية التي تدعم الاقتصاد والصناعة والتجارة، مع خصائص القرية التي تحمل في طياتها جمال الطبيعة ونقاء الطقس وترابط الحياة الاجتماعية، اقترح أن تحاط المدينة بحزام أخضر وأن تكون أماكن العمل قريبة من المناطق السكنية. هذه المدينة يمكن أن تُبنى على قاعدة اقتصادية زراعية تعمل على تزويد المدينة بالاحتياجات الغذائية، فالمساحات الخضراء تمثل مناطق زراعية وأماكن ترفيهية في آن معا. جاءت فكرة هذه المدينة ردة فعل للثورة الصناعية والمشاكل الحضرية في المدن الأوروبية والأمريكية التي صاحبتها انتشار الصناعات على نطاق واسع. في الحقيقة، كان لدى المخططين أفكار تقوم على أساس إحداث تغيرات في الهيكل المادي للمدينة كالمرافق، والإسكان، والبيئة العامة بحيث تقود إلى تحسين الحياة الحضرية والارتقاء بأساليب المعيشة. وعليه حاولت هذه النماذج والأفكار أن تتعامل مع المشاكل الحضرية وفي الوقت نفسه تقلل من الصراعات الاجتماعية. ومع ذلك، فإن البنية المادية للمدينة المقترحة لم تعكس القيم الإنسانية والعدالة الاجتماعية وتأثرت بالعامل الاقتصادي. لقد انطلقت هذه الأفكار من رؤية أو تصور مستقل وهو ما منح المُخطط الحرية في تطوير أفكاره بعيدا عن الأجندة الاقتصادية، ولكنها واجهت إشكاليات في تنفيذ تلك السياسات والرؤى على أرض الواقع. على سبيل المثال، احتاج Howard إلى الدعم والتمويل لتنفيذ فكرة مدينته وأصبحت أفكاره خاضعة للنقد والتعديل وفقا لأجندة المستثمرين الذين يبحثون عن الربح أولا. وعليه فقد اضطر Howard إلى تقديم عديد من التنازلات في الخطة المقترحة من أجل تنفيذها على أرض الواقع. ملخص القول: إن العامل الاقتصادي أصبح العنصر المحرك في تخطيط المدن الجديدة وصياغة السياسات العمرانية، إذ لا يمكن تطوير خطط وأفكار طموحة بمعزل عن دراسات الجدوى الاقتصادية وآليات التمويل التي تخضع في نهاية المطاف لأجندة اقتصادية محددة. 
https://makkahnewspaper.com/article/1530283

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي281.78 كيلوبايت