المشاركة المجتمعية في التخطيط.. بين الرمزية والشراكة الفعلية

المشاركة المجتمعية في التخطيط.. بين الرمزية والشراكة الفعلية

يسعى المُخطط إلى صياغة مجموعة من السياسات للتعامل مع القضايا العمرانية وبناء منهج عملي فعال وقابل للتطبيق. وتتسم الخطة العمرانية بكونها واقعية فهي ليست مجرد تخيل لوضع مرغوب به في المستقبل. فالخطة المثالية تتميز بالاستمرارية، والمرونة، والشمولية، وقدرتها على استيعاب كافة المتغيرات والمؤثرات المحيطة. وتسعى الخطة العمرانية إلى تحقيق أهداف متسقة وغير متضاربة وتتماشى مع المصلحة العامة. ولنجاح الخطة العمرانية يحاول المُخطط الوصول إلى احتياجات المجتمع بشتى فئاته، والتوفيق بين المصالح المتضاربة بشكل عادل ومتوازن دون التحيز لفئة على حساب الأخرى.

إن إشراك المجتمع في عملية التخطيط تعني المساهمة في تعزيز الخطة العمرانية بإضافة مدخلات مستنيرة على السياسات التي يمكن أن تؤثر في البيئة العمرانية التي يعيشون فيها. فهي تساهم في تمكين المجتمع، ومواءمة متطلباته، وإزالة الضبابية حول المنتج العمراني المقترح. وللوصول إلى حلول عملية تحقق الأهداف المستقبلية يسعى المُخطط إلى إشراك كافة أفراد المجتمع بما فيهم الفئات المستضعفة أو المحرومة وبشكل يتوافق مع احتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية ضمن إطار المصلحة العامة.

 ويُشكل إشراك المجتمع في عملية التخطيط عاملا رئيسا لنجاح الخطة العمرانية، فالمجتمع لا يعيش بناء على رغبة المُخطط؛ وفي نفس الوقت يحتاج المجتمع إلى استشارة المُخطط لتقديم بدائل شمولية تحقق أقصى درجات الرضا والمواءمة الوظيفية.

ويستند مبدأ المشاركة المجتمعية على أن من يتأثرون بالبيئة العمرانية لهم الحق في المشاركة في تطويرها. لذلك، فإن غياب مبدأ المشاركة سوف يؤدي إلى عزل المجتمع واضمحلال ثقافة الانتماء للبيئة العمرانية، وهو ما يعني استمرار الوضع الراهن بلا تطوير ومقاومة أي تغيير مستقبلي.

إن المشاركة المجتمعية لا تعني الاستماع إلى آراء السكان واسترضاءهم في سياق رمزي أو ضمن إطار مشهد تمثيلي زائف. إن مثل هذه الآراء التي يُدلي بها المجتمع لن تكون مُلزمة وليس بالضرورة الأخذ بها من قبل صُناع القرار. في الواقع، إن الهدف من عملية المشاركة ليس «الاستئناس بآراء الناس» كمتطلب روتيني.

إن مجرد التفكير بهذه الصورة هو سذاجة! لأن المستويات الحقيقية في المشاركة المجتمعية تعني التمثيل العادل لكافة الفئات الاجتماعية في مطبخ صناعة القرار؛ وهو ما يعني القدرة على التأثير والعمل والتفاوض ومناقشة مكامن القوة والضعف في الخطة الاستراتيجية العمرانية.

إن غياب المشاركة المجتمعية في العملية التخطيطية سوف يُفضي إلى تطوير حلول عمرانية ارتجالية، بعيدة تماما عن الواقع وتنطلق من الافتراض القائم على أن المخطط يعرف كل شيء! وسوف ينعكس ذلك سلبا على المدن والبيئات السكنية، فعندما لا يستوعب المُنتَج العمراني الواقع الاجتماعي للسكان والظروف المحيطة بما في ذلك الجانب الاقتصادي والتمويلي، عندئذٍ تصبح البيئات العمرانية محل اجتهادات فردية وحقل تجارب لكل متحذلق أو مدعٍ للمعرفة في ابتكار حلول عنترية أشبه بردود أفعال لحظية، وليست نابعة من نموذج قادر على استقراء المستقبل العمراني.

وختاما، فإن المشاركة المجتمعية في عملية التخطيط هي ممارسة فعلية تقوم على أساس الاعتراف بأهمية المجتمع بوصفه شريكا ضمن مجموعة أصحاب المصلحة لنجاح صياغة السياسات العمرانية. لذلك، فإن نجاح الخطة العمرانية مرهون بمدى مواءمتها لاحتياجات المجتمع وبما يتماشى مع اقتصاديات السكان والثقافة السائدة وبشكل يحافظ على كفاءة واستدامة استخدام الموارد المتاحة.
https://makkahnewspaper.com/article/1529695

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي275.09 كيلوبايت