التنوع الاجتماعي في المدينة في عصر العولمة

التنوع الاجتماعي في المدينة في عصر العولمة

ذكرت في مقال سابق أن المجتمع الريفي يوصف بالبساطة، على عكس المدينة التي تتسم بالتنوع الاجتماعي والتباين في مستويات الدخل، والمهن، والتعليم، والثقافة بين أفراد المجتمع. وتستوعب المدينة التنوع الاجتماعي من خلال تطوير نماذج وأنماط عمرانية تتكيف مع كل الشرائح الاجتماعية، وكل هذا يحفز المجتمع على اكتساب خبرات جديدة ويساعد على خلق مزيد من الفرص المعيشية.

لقد تطور مفهوم التنوع الاجتماعي في المدينة من النظرة السلبية المطلقة إلى الإيجابية. في أدبيات القرون الماضية، وُصف التنوع الاجتماعي في المدينة بأنه أحد الأسباب التي تؤدي إلى التمييز العنصري، وعزل الفقراء، واحتكار العمل، وهيمنة الأغنياء، وانتشار العشوائيات. وبحسب هذا المنظور، فإن انتشار الصراع الاجتماعي وعدم التسامح في المدينة أصبح نتيجة حتمية لغياب الحوكمة الرشيدة. وبرز ذلك بشكل جلي في كتابات Friedrich Engels التي وَصف بها حال المدن الإنجليزية عام 1845. ولعل الثورة الصناعية كانت أحد الأسباب التي كرست هذه النظرة السلبية، ولا سيما مع استقطاب تدفقات العمال والتداعيات السلبية التي رافقت التحضر السريع في المدن. لقد طُورت عديد من النماذج العمرانية لتستجيب للتحولات الاجتماعية في المدينة. وعموما اتخذت معظم هذه النماذج الجانب المادي كوسيلة لاستيعاب التنوع الاجتماعي. عملت هذه الأنماط العمرانية على تخصيص مناطق للضواحي وتنويع الكثافات العمرانية واستخدامات الأراضي والإسكان.

كما ركزت بعض النماذج العمرانية على توزيع السكان داخل المدينة، فأصبح السكان ذوو الدخل المنخفض بالقرب من مركز المدينة لكونهم غير قادرين على تحمل تكاليف النقل، وفي الوقت نفسه هم بحاجة إلى أن يكونوا قريبين من مناطق الإنتاج، في حين فضل الأغنياء العيش في الضواحي بعيدا عن صخب المدينة.

وبغض النظر عن نجاح أو فشل هذه النماذج والرؤى العمرانية، إلا أنها جاءت ردة فعل لمحاولة التغلب على سلبيات التنوع الاجتماعي في المدن من منظورهم.

في الحقيقة، إن التنوع الاجتماعي في المدن أمر لا مناص منه، لأنه إحدى الوسائل الرئيسية لتنمية المجتمعات شريطة تحقيق العدالة الاجتماعية. لقد أصبح مفهوم التنوع الاجتماعي مساهما في تحقيق الأهداف التنموية التي تحقق التعايش والتسامح بين أفراد المجتمع، وبدأ العديد من المنظرين وعلماء الاجتماع باستبدال مصطلح «الصراع الاجتماعي» بـ «المنافسة الاجتماعية»، واستبدال مصطلح «العزلة الاجتماعية» بـ «التعايش» مع محاولة المُخططين صياغة السياسات العمرانية بجميع أبعادها لكي تستجيب بشكل أكثر فعالية للتنوع الاجتماعي والثقافي والديني والعرقي داخل المدن.

اليوم، يتجاوز مفهوم التنوع الاجتماعي الثقافة المحلية ليشمل الثقافة المتكاملة بين مجتمعات العالم (العولمة)، فالتحول الاقتصادي لنظام الإنتاج التقليدي إلى المعلوماتية ساهم في خلق فرصة التكامل الاقتصادي بين مدن العالم. لذلك، أصبحت المدن العالمية مستقطبة ليس الاستثمارات المحلية فحسب ولكن أيضا الاستثمارات الدولية. وعلاوة على ذلك، شجعت القوانين والاتفاقيات الاقتصادية الدولية عديدا من المستثمرين على الاستثمار خارج النطاق المحلي.

ختاما، يمكن القول إن مفهوم التنوع الاجتماعي في المدن مر بعدة مراحل، بداية من المجتمع البسيط والمتجانس، ومرورا بالمجتمع المعقد الذي اتسم بالصراع الاجتماعي في ظل غياب دور التخطيط العمراني، فالتصورات الإيجابية للتنوع الاجتماعي باعتباره وسيلة للتنافس والتعايش، وانتهاء بإطار شمولي يتخطى مفهوم التضامن الاجتماعي إلى مرحلة التعددية الاجتماعية لبناء آفاق أوسع لمستقبل التنمية العالمية.

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي292.46 كيلوبايت