الإسكان وتعزيز ثقافة العمل التعاوني

يعد الإسكان التعاوني رافدا هاما لدعم قطاع الإسكان وتوفير وحدات سكنية ضمن إطار حدود القدرة الاقتصادية للأسر. وتبرز فكرة الجمعيات التعاونية من منطق تعزيز القوة الشرائية للمساهمين وإشباع احتياجات الإنسان الاقتصادية والاجتماعية ضمن إطار قانوني محدد، فهي تستفيد من الجهد الجمعي لتحقيق أهداف لا يستطيع الأفراد وحدهم تحقيقها. وفي المجمل، تعتمد الجمعيات التعاونية على حشد جهود الجماعات التي يرتبط أفرادها بخصائص مشتركة مثل جمعية الأطباء، أو المهندسين، أو المعلمين، أو العمال، وذلك للاستثمار في منتج سكني يتم إدارته وتشغيله وصيانته من قبل الجمعية التعاونية. وعلى النقيض من الإسكان العشوائي الذي يعتمد على الجهد الجمعي غير المنظم، يأتي الإسكان التعاوني كأحد أشكال المشاركة المجتمعية المنظمة بين الأفراد لمواجهة تحديات الإسكان. إن قطاع الإسكان التعاوني واسع الانتشار عالميا، ففي أوروبا، يعيش أكثر من 10% من السكان في تعاونيات، ويتفاوت حجم التعاونيات وتأثيرها في كل دولة. هناك أكثر من 14,073 جمعية تعاونية في إسبانيا ساهمت في إنتاج 1,439,104 وحدة سكنية، وفي بولندا أكثر من 3,500 جمعية إسكان تعاونية ساهمت في إنتاج ما يعادل 2,583,000 وحدة سكنية، وبما يعادل 19% من مخزون الإسكان. أما في السويد فتشير الإحصاءات إلى أن جمعيات الإسكان التعاونية تتجاوز 6,500 جمعية لإجمالي سكان 9 ملايين نسمة فقط، في حين يبلغ إجمالي مخزون الإسكان 4,508,000 وحدة سكنية يشكل فيها القطاع التعاوني 22% أي ما يعادل 997,969 وحدة سكنية تدار بالكامل من قبل جمعيات تعاونية. وعلى المستوى المحلي، بدأ العمل التعاوني مبكرا، حيث صدر أول نظام للتعاونيات عام 1382هـ، ومع ذلك تعد ثقافة العمل الجماعي محدودة جدا، وتشكل تعاونيات الإسكان محليا نسبة ضئيلة لا تتجاوز 0.3% من إجمالي حجم التعاونيات في الدول المماثلة من حيث المساحة والسكان. لقد استشرفت الرؤية الوطنية 2030 أهمية القطاع التعاوني ودوره في سياسات التمكين، حيث أشارت الخطة التنفيذية لبرنامج الإسكان إلى «غياب الوعي بمفهوم الجمعيات التعاونية وقلة مساهمتها بالمعروض مقارنة بالمعدلات العالمية، والحاجة نحو التحول لتفعيل دور الجمعيات التعاونية للإسكان وتمكينها مما يزيد المعروض». كما أكدت خطة التنمية العاشرة على سياسة تحقيق هدف السكن الملائم من خلال «تحفيز القطاع الخاص، والجمعيات التعاونية، والخيرية، والمستثمرين، والأفراد للمشاركة في نشاط إنشاء المساكن». في الواقع، إن الإسكان التعاوني يمكن أن يكون شريكا استراتيجيا في دعم قطاع الإسكان وزيادة المخزون السكني، من خلال بناء منظومة تشاركية تمول وفق أسس استثمارية ذات مردود اقتصادي، بعيدا عن الجهود العشوائية أو تلك القائمة على النظرة الإحسانية أو الخيرية. تطوير القطاع التعاوني يقتضي نشر ثقافة التعاونيات كما ونوعا، بما يتوافق مع حجم التركز السكاني ومعدلات الطلب. وفي هذا السياق، يمكن أن يتولى قطاع الإسكان دعم الجمعيات التعاونية ضمن إطار سياسات التمكين، وذلك من خلال تخصيص أراض مخفضة السعر أو توفير قروض لمشاريع سكنية تعاونية وليست فردية. ويتماشى ذلك مع تطوير تشريعات لتنظيم العمل التعاوني بوصفه توجها استراتيجيا لدعم قطاع الإسكان في السعودية.

مقال منشور في صحيفة مكة
https://makkahnewspaper.com/article/1526641