أحياؤنا السكنية وثقافة الابن المدلل!

احياؤنا السكنية وثقافة الابن المدلل

يعد الحي السكني الحيز المكاني الذي يتميز بخصائص مادية توفر لساكنيه الراحة والسكينة والاستقرار، ضمن إطار يتماشى مع ظروف وطبيعة الموقع. وفي الحقيقة إن الحي السكني يحمل بمفهومه الشامل مضامين أوسع من ذلك بكثير. إنه منظومة حياة متكاملة يجري تشكيلها لترتقي بالمجتمع وأنماط معيشته. إن تخطيط وتصميم الأحياء السكنية يمكن أن يسهم في توفير الظروف الحياتية التي تعزز من الصحة الجسدية، والتفاعل الاجتماعي، والاستقرار الاقتصادي. وعليه فإن الإطار الفيزيقي للأحياء السكنية يُفترض أن يؤثر في البناء الجسدي والروحي والوجداني لحياة الإنسان.

لقد استشرفت الرؤية الوطنية 2030 التحديات التي تواجه تخطيط الأحياء السكنية في ضوء مبادرات تحسين البيئة العمرانية وبناء مجتمع حيوي يتمتع أفراده بأسلوب حياة متوازن، ووضع برنامج جودة الحياة عددا من المستهدفات لتطوير البنية التحتية والإسكان، والتصميم الحضري، والأمن والبيئة الاجتماعية، والفرص الاقتصادية، والخدمات الترويحية. وفي الواقع، تقع معظم هذه المرتكزات ضمن إطار البيئة السكنية، وهو ما يعني أن تطوير أنماط أحيائنا السكنية كفيل بتحقيق مستويات عالية لجودة الحياة. إن أحياءنا السكنية ما زالت بعيدة عن ملامسة أهداف برنامج جودة الحياة الطموحة لأنها لا تعكس احتياجات المجتمع ومتطلبات المعيشة، ومستويات الرفاهية، والصحة النفسية والجسدية. تلك الأحياء صُممت لاستيعاب السكان ضمن هيكل مادي لا يستجيب للاعتبارات الإنسانية. لقد أمضينا أكثر من نصف قرن وها نحن نعيش في أحياء سكنية ذات نمط تخطيط شبكي، تغلب عليها المساحات الإسفلتية، والمطبات الصناعية، وتعلو على جانبيها المباني الخرسانية، تخترقها المركبات من جميع الاتجاهات، وتنتشر بها أعمال الحفريات بلا مسببات، تخلو في معظم الأحوال من أرصفة المشاة، وتنعدم بها مسارات الدراجات، إنها لا تتمتع بأي منهج فلسفي أو فكرة تصميمية خلّاقة.

باختصار، هذه الأحياء السكنية صُممت لخدمة المركبات وليس الإنسان! فإذا فكرت يوما ما أن تمارس رياضة المشي داخل إطار هذا الحي السكني فعليك أن تخاطر لتسير بمحاذاة الطرق الإسفلتية، وتتجنب المركبات الطائشة، والحفر المليئة بالمياه.. أما إذا أردت أن تمارس رياضة المشي بأمان فأنصحك أن تقود سيارتك لتذهب إلى أقرب ممشى وهو على بعد نصف ساعة من منزلك، ولكن تجنب الازدحام المروري في ذهابك وعودتك!

إن أكبر التحديات التي تواجه المُخططين نحو الارتقاء بالأحياء السكنية ضمن إطار جودة الحياة، تتمثل بتغيير الصورة النمطية لمفهوم الحي السكني، التي رُسّخت في أذهاننا لعقود من الزمن، إذ يبدو الحي السكني في ذهنية المجتمع باعتباره الحيز المكاني الذي تتوزع به الوحدات السكنية والشوارع المتعامدة التي تخدم المركبات. وتلعب المركبات في أحيائنا السكنية دورا أكثر من كونها وسيلة نقل.. إنها الابن المدلل الذي ارتبط معنا أينما ارتحلنا، نبحث عنها حتى في أسفارنا. هذه الثقافة اكتسبناها من نمط حياة قائم على أن السيارة هي وسيلة النقل الوحيدة في أحيائنا السكنية.

إن دور الأحياء السكنية اليوم يتمثل في ملامسة احتياجات الإنسان، بداية من فهم طبيعة الموقع وخصائصه، وبناء منظومة متكاملة من المرافق وأنظمة النقل التي تعزز من مستويات الرفاهية للسكان، وانتهاء بتطوير أنماط عمرانية تستجيب للتنوع الاجتماعي والاقتصادي، فمتى تنطلق أحياؤنا السكنية نحو آفاق أرحب وتتخلى عن ابنها المدلل؟

https://makkahnewspaper.com/article/1523608
 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي214.73 كيلوبايت