سياسة الإسكان بين نهج التمويل والتمكين!

سياسة الإسكان بين نهج التمويل والتمكين!

يعتمد تطوير سياسة إسكان فاعلة على إعداد الخطة التي تتضمن الغايات والأهداف، ثم تحديد الوسائل لتنفيذها، وتتكامل هذه العناصر ضمن إطار واحد، إذ لا يمكن بناء خطة بلا هدف أو أدوات ووسائل.

عندما تخرج من منزلك فأنت تضع هدفا محددا في ذهنك، لتسلك طريقا بينا واضح المعالم، مستخدما أدوات ووسائل نقل توصلك إلى وجهتك بسهولة ويسر، فأنت لا تتخبط بعشوائية ولا تستخدم أسلوب التجربة والخطأ، لقد استعرضت كافة البدائل والطرق الممكنة للوصول إلى هدفك، واخترت الطريق الأمثل بناء على خبرتك التراكمية أو نصيحة أصدقائك!

 وبالمثل، سياسة الإسكان تضع في عين الاعتبار التخطيط لاستراتيجيات فاعلة وابتكار أفضل الطرق والوسائل الممكنة لتحقيق تلك الاستراتيجيات، ويضطلع المخطط العمراني بمسؤولية ابتكار أفضل البدائل الممكنة وتقييمها بما يتلاءم مع احتياجات المجتمع والموارد المتاحة، وتتضمن مراحل تطوير سياسة الإسكان مشاركة المجتمع، والخبراء، والمجالس البلدية للوصول إلى البديل الأمثل.

إن سياسات الإسكان التي لا تضع خطة واضحة المعالم مقترنة بأهداف وبرنامج زمني سوف ينتهي مصيرها إلى الفشل المحتوم حتى وإن حققت نجاحات لحظية!

لقد أشار John Turner في كتابه Housing by People إلى أهمية «ابتكار أفضل الطرق لاستخدام الموارد المتاحة والتخطيط لاستراتيجيات فاعلة للتعامل مع أزمات الإسكان».

ولشرح صياغة سياسة الإسكان تناول Turner مثالا مبسطا، أشار فيه إلى أن «رؤساء الأندية الرياضية يلعبون دورا هاما في ابتكار أفضل الطرق لاستغلال موارد النادي.. وسائلهم وأدواتهم تتمثل باللاعبين والمدربين.. وفي النهاية يسجل الفريق الأهداف»، مفيدا بأن دور رئيس النادي ليس تسجيل الأهداف «إن مجرد تصور ذلك سذاجة» كما يقول! وبالمثل، فإن دور وزارات الإسكان ليس توفير المساكن، بل وضع سياسات كفيلة بحماية جميع الأطراف الداخلة في سوق الإسكان.

إن البلدان محدودة الموارد لن تحقق الكثير عندما تستنزف مواردها الاقتصادية في استيراد خطط مكلفة لاستئصال العشوائيات، أو لتطوير برامج التمويل، أو لبناء مشاريع سكنية ضخمة تتحول فيما بعد إلى ما يعرف بمساكن ذوي الدخل المحدود، هذه البلدان يمكن أن تصنع الكثير في حال استغلال الموارد المحدودة لتحسين البنية التحتية والخدمات الحالية لتمكين محدودي الدخل من السكن والوصول لفرص عمل ترتقي بمستويات المعيشة.

إن سياسة الإسكان الفاعلة هي التي تستغل الموارد المتاحة وتعمل على تطوير الأنظمة والقوانين لتحسين سوق الإسكان بما يتماشى وخصائص كل مدينة، فهي تتخذ كل التدابير لتمنع هيمنة الفئات التي تبحث عن مصالحها الذاتية على حساب المصلحة العامة، هذه السياسات تحافظ على توازن سوق الإسكان ليكون قادرا على بناء بيئة تكفل الوصول العادل إلى مسكن، ضمن حدود القدرة الاقتصادية لجميع فئات المجتمع.

الحلول القائمة على برامج الإمداد السكني Providing لن تكون قادرة على ملامسة احتياجات المجتمع، فضلا عن أنها لا تعالج واقع السوق الإسكاني، فتوفير التمويل السكني مهما كان حجمه لن يكون مجديا في ظل الارتفاع المتنامي لأسعار الأراضي والوحدات السكنية.

باختصار، إن الاتجاه الأمثل لصياغة سياسة الإسكان يفترض أن يركز على إصلاح واقع السوق أولا ومواءمة مصالح اللاعبين المؤثرين كالمطورين العقاريين، والمستثمرين، والمؤسسات المدنية، بما يتماشى واحتياجات المجتمع، ضمن إطار المصلحة العامة. عندئذٍ لن تكون هناك حاجة إلى توفير برامج للدعم والتمويل السكني، فسعر الوحدة السكنية أصبح في متناول الجميع.
https://makkahnewspaper.com/article/1523020

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي236.54 كيلوبايت