تعزيز الثقافة الوطنية في المدن السعودية

تعزيز الثقافة الوطنية في المدن السعودية

تشكل الثقافة الوطنية جزءا لا يتجزأ من سمات المجتمع الذي يعيش في أرض ما ويرتبط بها مكانيا وروحيا، وينشأ هذا الارتباط نتيجة الوعي الاجتماعي التراكمي الذي اختزل في الذهنية الحسية والبصرية للمجتمع، وغالبا ما يأتي الحديث حول الثقافة الوطنية بوصفها مشروعا محليا لمواجهة حالة الهيمنة الثقافية التي تسيطر على المجتمعات في عصر العولمة.

يقولون إن العولمة والثقافة المحلية تقعان على طرفي نقيض، ولا يمكن أن تلتقيا، فالعولمة تسعى للهيمنة على ثقافة الشعوب ودمجها ضمن الثقافة الكونية، في حين تهدف الثقافة الوطنية إلى غرز القيم الوطنية وتعزيز الممارسات الثقافية المحلية.
 لقد وضعت رؤية المملكة 2030 ثلاثة مرتكزات لبناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وتتكامل هذه المحاور لتحقيق أهداف استراتيجية ترجمت على هيئة برامج وسياسات تنفيذية ضمن إطار حوكمة محدد زمنيا. وفي ضوء برامج تحقيق الرؤية الوطنية، وَضع برنامج جودة الحياة هدفا استراتيجيا يتمثل في غرس المبادئ والقيم الوطنية، وتعزيز الانتماء الوطني، والمحافظة على التراث العمراني، في حين ركز برنامج تعزيز الشخصية الوطنية على ترسيخ البعد الإنساني للمملكة العربية السعودية باعتبارها قلبا للعالمين العربي والإسلامي.

وفي المجمل، تسعى هذه البرامج إلى تعزيز قيم الوسطية، والتسامح، وروح المبادرة، والعمل التطوعي لبناء الاقتصاد والمحافظة على المكتسبات الوطنية. ويعد الإطار المكاني (المدينة) العامل المشترك الذي يعكس أهداف وبرامج الرؤية الوطنية التي يمكن ترجمتها في صورة ذهنية للمجتمع.

إن العمل على تجسيد الثقافة الوطنية عمرانيا يمكن أن يختصر جهودا كبيرة في إطار السعي نحو غرس القيم، وتعزيز ثقافة الانتماء الوطني، ويعد العلم الوطني رمزا لهوية الدولة تتباهى برفعه في جميع المباني، والوزارات، والميادين العامة، وتشكل مشاهدة العلم الوطني في جميع الأوقات والمناسبات عاملا مهما في ترسيخ ثقافة الانتماء المكاني للمجتمع والاعتزاز بالهوية الوطنية، ومن النادر أن تلتقط أي صورة لك وأنت خارج المملكة دون أن يكون في خلفيتها علم الدولة أو صورة لأحد رموزها التاريخية تحمل مضامين وشعارات وطنية.

أما التراث العمراني فيشكل البعد المادي الذي يجسد حضارة مجتمعنا وقيمه الثقافية والمعرفية، وتعد القرى التراثية، والحصون، والقلاع، والأسواق، والساحات التراثية عناصر عمرانية ذات قيمة ثقافية فريدة.

كما تجسد أواسط المدن السعودية عمقا ثقافيا وقدرة مجتمعية هائلة في تخطيط المدن، وتطويع المواد المحلية في البناء بما ينسجم وخصائص البيئة المحلية. ويأتي الحفاظ العمراني على هذه المواقع كأحد مصادر معرفة الثقافة الوطنية التي تعزز من ارتباط الأجيال الحالية وانتماء الإنسان لثقافة المكان.

في الحقيقة، يتعرض عدد من المواقع التراثية إلى التلف العمراني الناتج من عوامل طبيعية أو بفعل التخريب المتعمد من السكان، ويأتي هذا التخريب نتيجة عدم إدراك المجتمع للأهمية الوطنية لهذه المواقع، سواء على المستوى الثقافي أو الاقتصادي.

وغني عن البيان أن الحفاظ العمراني للمواقع التاريخية والتراثية لا يعني صيانتها من عوامل التلف العمراني فحسب، بل تأصيل هويتها وإعادة تعيين الاستخدام الأمثل لها بما يضمن دمجها ضمن محيطها الحضري وإبراز القيم الثقافية المتعلقة بها أيضا. وعليه فإن مشاريع الحفاظ العمراني للمواقع التراثية يفترض أن تنطلق من استراتيجية شمولية ذات أبعاد تعكس القيم الوطنية، والثقافية، والاجتماعية.

أخيرا، فإن الحفاظ العمراني على المواقع التراثية يمكن أن يسهم في رفع اقتصاديات المدينة والسكان، وبشكل يعزز من الانتماء الوجداني في تلك المواقع والرغبة في الحفاظ عليها ذاتيا من المجتمع.
https://makkahnewspaper.com/article/1520512
 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي261.23 كيلوبايت