معضلة الصراع الاجتماعي في المدينة وجدلية المصلحة العامة...!

معضلة الصراع الاجتماعي في المدينة وجدلية المصلحة العامة...!

تعتبر مصلحة المجتمع الأساس الذي يتحكم في بناء العلاقات الاجتماعية بين الناس، فالأفراد يتشاركون في تحديد الإطار العام لمفهوم المصلحة العامة. في القرية (المجتمع البسيط) يتشارك الناس في العادات، والتقاليد، واللغة، والعرق، وحتى اللهجة المحلية، إنهم أقرب إلى التجانس الاجتماعي، حيث يتعاونون مع بعضهم البعض وفق النظم الأخلاقية والعرفية لتحقيق المصلحة العامة. لذلك، فإن التمييز العنصري والطبقية الاجتماعية بين السكان في المجتمعات الريفية تتضاءل بالمقارنة مع مجتمع المدينة. وعلى النقيض، تعتمد المدينة (المجتمع المعقد) على تبادل الخبرات بين الأفراد لتحقيق الإنتاج الذي ينعكس إيجابا على المجتمع. إن الحفاظ على التوازن في نظام تبادل المصالح بين أفراد مجتمع المدينة يحقق مزيدا من التطور، والإنتاجية، ويضمن التوازن، والمنافسة الديناميكية. يتفاعل السكان داخل المدينة بمنطق المصالح المتبادلة والعمل المشترك بين الأفراد تحت سقف اقتصادي، واجتماعي، وقانوني محدد. ويساعد هذا المبدأ على تحول المدينة إلى أطوار نمو مختلفة أسوة بالكائن الحي! 
يعد النموذج الاجتماعي في المدينة الأكثر تعقيدا بالمقارنة مع النموذج الريفي فالأفراد في المدن غير متجانسين، ولا يتمتعون بالولاء للمجموعة، ولا توجد خصائص مشتركة بينهم، إنهم قدموا من مدن، وقرى، ودول عديدة من أجل العمل وتحسين ظروفهم الاقتصادية، كل فرد يعمل من أجل مصلحته الشخصية ضمن إطار القانون المدني، وعليه فاحتمالية الطبقية الاجتماعية بين الأفراد هي الأعلى في مجتمع المدينة؛ كما أن التعقيد الاجتماعي يزداد مع زيادة مستوى المدينة في السلم الحضري، شغف العمل والاستثمار في المدن الكبرى يزداد، وتسعى بعض الفئات الاجتماعية بشغف للسيطرة على الموارد الاقتصادية وقيادة التنمية وتوجيهها من خلال مصالحها الشخصية، ويزداد الصراع الاجتماعي ليقسم مجتمع المدينة لطبقات اجتماعية ينجح بعضها في التفاعل مع اقتصاد المدينة الذي يستجيب لتحولات عصر العولمة، في حين يفشل الآخر ليستكين في قاع المدينة!

لقد اتجهت العديد من المدن في أمريكا وأوروبا بعد الحرب العالمية إلى التجديد العمراني والاستثمار الاقتصادي، خاصة بعد الطفرة الصناعية التي شهدتها هذه الدول. ركزت التوجهات الاستراتيجية في بعض المدن على الجانب العمراني المحض بدوافع اقتصادية على حساب القضايا الاجتماعية والثقافية. وسعت هذه الخطط إلى تطوير شبكات النقل، وبناء المراكز الاستثمارية على حساب تحسين العشوائيات ومعالجة الفقر الحضري. وعليه فقد أصبحت الموارد متاحة للفئات القادرة ليزدادوا ثراء؛ في حين تم استثناء الفقراء ومنخفضي الدخل ليعانوا من التهميش الاجتماعي!

أقول إن المدينة ليست تراكمات سكانية ومنشآت خرسانية لا تستجيب للتفاعلات الاجتماعية والتحولات الاقتصادية، في الحقيقة تأتي جدلية المصلحة العامة من كونها عنصرا متغيرا عبر الزمن، فالمصلحة العامة اليوم تختلف عنها في المستقبل، ويتماشى ذلك مع مبدأ التخطيط لكونه نشاطا يتعلق باستشراف المستقبل وبناء نموذج يستجيب للتحديات الحضرية. وأزعم أن التعامل مع المدينة يتطلب الإلمام بسلسلة معقدة من النظم الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية، التي تتفاعل ضمن أطر تشريعية وقانونية. ويلعب المُخطط العمراني اليوم دورا هاما في تحقيق التوازن بين هذه المتغيرات لتخفيف وطأة الإشكالات الحضرية التي تشهدها المدن. وعليه فإن المصلحة العامة في التخطيط العمراني تقتضي العمل على تطوير اقتصاديات المدن، والتوزيع الأمثل للموارد، وتطوير القوانين والتشريعات العمرانية بما يضمن تكافؤ الفرص المعيشية للجميع.

https://makkahnewspaper.com/article/1520111 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي222.16 كيلوبايت