هل وصلت مدننا الى العالمية..؟

قلت في مقال سابق إن تركيز التنمية العمرانية في المدن الكبرى على حساب المدن الصغيرة والأرياف سوف يساهم في زيادة تدفقات الهجرة السكانية واستقطاب القوى العاملة؛ ويصاحب ذلك زيادة في الطلب على الإسكان، والخدمات، وارتفاع أسعار الأراضي، والإيجارات.

إن غياب الخطط الإقليمية التي تراعي التوازن في التنمية بين المدن سوف يعزز من تضخم بعض المدن وزيادة الهجرة الداخلية؛ وبالتالي انشغال إدارات المدن في تلبية الطلب على خدمات الإسكان، والطاقة، والبنية التحتية بشكل متسارع بعيدا عن تحقيق الاستراتيجيات الوطنية الطموحة ومعايير جودة الحياة.

وتبرز المشاكل الحضرية جليا في المدن الكبرى كالتلوث، والازدحام المروري، وصعوبة الإدارة والوصولية، وانحسار دور المركز التقليدي، وأزمات الإسكان، وانتشار العشوائيات.

في الحقيقة، إن جذب الاستثمارات الاقتصادية في المدن يمكن أن يتحقق في ظل نمو سكاني متوازن يراعي المتطلبات الوظيفية للمدينة ويحقق جودة الحياة لساكنيها.

إن أهمية المدينة اليوم تكمن في وظيفتها وما تقدمه من إنتاج يدعم الاقتصاد الوطني، وليس في حجمها، أو عدد سكانها. فالمدن الصغيرة يمكن أن تحقق مداخيل اقتصادية أعلى من المدن الكبرى في حال الاستغلال الأمثل لمواردها!

لقد انعكست آثار التقدم التكنولوجي في ظل عصر العولمة على المدن، وأنماط الحياة للمجتمعات الحضرية.

أصبح من الممكن للسكان العيش في الريف، أو المدن الصغيرة، وممارسة أعمالهم اليومية، والتسوق من أشهر المتاجر العالمية دون مغادرة منزلهم! اليوم، أصبح الاقتصاد والإنتاج يعتمد على المعرفة، والتقنية ومعالجة المعلومات أو ما يعرف بالاقتصاد الرقمي.. إنه عصر الاقتصاد القائم على الأعمال والتجارة الالكترونية.

وفي ضوء الثورة المعلوماتية، انحسر دور الصناعات التقليدية، وأصبح من الممكن تطوير النشاط الاقتصادي دون الاعتماد على القوى العاملة غير المدربة أو التقليدية، حيث تعتمد العديد من الشركات الناشئة أو المشاريع الاستثمارية على عدد قليل من العمالة عالية التأهيل.

وعزز ذلك من تفتيت العلاقة المكانية للنشاط الاقتصادي ضمن الحيز الجغرافي؛ بل ساهم في إلغاء الحواجز والقيود أمام تدفق السلع، ورؤوس الأموال العالمية.

أقول لكي تصل المدن إلى العالمية عليها أن تتخلى عن مفهوم التنافس المحلي التقليدي، والتضخم القائم على الزحف العمراني الأفقي، والسعي نحو الزيادة السكانية ضمن مساحات حضرية لا تتمتع بأي قاعدة اقتصادية.. عليها أن تكرس جهودها نحو المشاركة والعمل التكاملي ضمن إطار خطة عمرانية إقليمية تستلهم في برامجها وأهدافها توجهات الرؤية الوطنية 2030؛ وذلك لن يتحقق إلا في ظل بنية اتصالات عالية الجودة، وأنظمة نقل متعددة المستويات، وخدمات مبتكرة، وتشريعات عمرانية فاعلة.

إن المدينة العالمية ليست مجرد مساحة حضرية مترامية الأطراف، تضم بين جنباتها سكانا، وخدمات تقليدية، وكتلا عمرانية متراصة، وأبراجا سكنية أو حتى ناطحات سحاب... إن المدينة العالمية هي تلك التي تقاس بإنتاجيتها، وقدرتها على التأثير الاقتصادي، فهي تتضمن مراكز التجارة، والثقافة، والفنون، ومراكز الأبحاث والابتكارات.

إنها قادرة على أن تتجاوز النطاق المحلي.. فهي بذلك تجذب الكفاءات وتدعم الشراكة والتكامل في الإنتاج.. فهل وصلت مدننا إلى العالمية؟

https://makkahnewspaper.com/article/1518386