الإسكان.. نحو استراتيجية متكاملة!

تشهد المملكة العربية السعودية نموا عمرانيا وقفزات تنموية نتيجة للتحولات الاقتصادية وما يصاحبها من هجرة سكانية من المدن الصغيرة إلى الحواضر الكبرى. وتركز النمو السكاني خلال العقود الماضية في بعض المدن الرئيسية مثل: الرياض، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة، والدمام، بما يتجاوز 16 مليون نسمة حسب تقديرات الهيئة العامة للإحصاء، يشكلون أكثر من 50% من إجمالي سكان المملكة العربية السعودية. واستقبلت هذه المدن تدفقات الهجرة السكانية، واستجابت مخططاتها المحلية لتتوسع أفقيا وفق خطط عمرانية تغيرت معطياتها عبر مراحل زمنية مختلفة.

لقد استشرفت الرؤية الوطنية التحديات المستقبلية في مركزية التنمية العمرانية والنمو غير المتوازن وما يصاحبها من آثار تنعكس على قطاعات حيوية عديدة، لعل أبرزها زيادة الطلب على الإسكان، والخدمات العامة، وانتشار العشوائيات على أطراف المدن. وتأتي مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي كمؤشر واضح لزيادة الطلب على مخزون الإسكان الذي يتلاءم مع حدود القدرة الاقتصادية للأسر. لذلك، جاء النمو الأفقي للمدن لمواجهة هذا الطلب المتزايد، لكنه في المقابل ساهم في تباعد أطراف المدينة، وأضعف من دور مركز المدينة التقليدي.

لقد ركزت السياسات العمرانية للتعامل مع قضايا الإسكان والنمو السكاني في المدن الكبرى على البعد المحلي من خلال توفير احتياجات السكان من الخدمات البلدية وتطوير البنية التحتية. وقد لا أجافي الحقيقة بالقول: إن تطوير استراتيجية وطنية شاملة للإسكان يعتمد على مدى مواءمتها مع الاستراتيجية العمرانية الوطنية التي تتضمن تحليل التوزيع الإقليمي للموارد والسكان لضمان التخصيص الأمثل لها، بما يحقق التوازن الإقليمي ويقلل من تدفقات الهجرة السكانية إلى المدن الكبرى.

ومن المعلوم أن الإسكان ليس مجرد وحدات سكنية تُبنى لاستيعاب الأسر، إنه بيئة عمرانية ومنظومة حيوية وثيقة الارتباط بالقطاع الاقتصادي، وتخضع لتشريعات وقوانين ونظم إدارية رشيدة. أقول إن دور قطاع الإسكان يجب ألا يختزل في توفير وحدات سكنية أو تطوير برامج الدعم والتمويل للفئات الاقتصادية محدودة الدخل.

إن أبرز الإشكاليات التي تواجه قطاع الإسكان تتمثل في فهم المنظور الاستراتيجي لدور القطاع بصفته جزءا يتكامل مع المنظومة العمرانية التنموية، إذ ليس من دور وزارات الإسكان توفير مسكن! بل تطوير سياسات تساهم في الوصول إلى سوق إسكان عادل وميسر لجميع الفئات الاقتصادية. وعليه فإن تطوير هذه السياسات يفترض أن يتماشى مع المستويات التخطيطية الثلاثة، بداية من المستوى الوطني، فالإقليمي، حتى المحلي.

ومن هنا أصبحت الحاجة ملحة لتطوير سياسات عمرانية على المستوى الإقليمي للتحكم بالنمو العمراني الأفقي للمدن، تقوم على أساس تنمية المدن الصغيرة. ويمكن أن تعمل هذه السياسات على استغلال موارد المدن الصغيرة بشكل يتماشى مع تعزيز دور شبكات الطرق الإقليمية كأقطاب تنموية وبما يحقق التوازن في التنمية الإقليمية ويقلل الهجرة السكانية والطلب على الإسكان في المدن الكبرى.

واليوم، تبدو الصورة أكثر إشراقا، إذ ترتسم في الأفق العديد من المشاريع العمرانية والتنموية الواعدة التي تنبئ بمستقبل يتواكب مع تطلعات الرؤية الوطنية لبناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح. وتستهدف هذه المشاريع الضخمة تنمية المدن الصغيرة أو بناء قاعدة استثمارية لمناطق واعدة تقوم على مبدأ الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والتراثية والسياحية في تلك المدن.

ويمكن أن يلعب قطاع الإسكان دورا محوريا في حفز الهجرة العكسية إلى المدن الواعدة من خلال تطوير مشاريع إسكان تتكامل مع المشاريع التنموية وتعمل على تحفيز القطاع العقاري في خلق فرص استثمارية جديدة للمستثمرين وأصحاب الأعمال، ضمن إطار توجهات الرؤية الوطنية 2030.

صحيفة مكة 
https://makkahnewspaper.com/article/1516311

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon sdmr-11.pdf217.53 كيلوبايت