إزالة العشوائيات..الحل النهائي ام بداية مشكلة!

إن سوق الإسكان يخضع لمبدأ العرض والطلب، ويحدث العجز عندما تكون وتيرة المعروض من الوحدات السكنية التي تتلاءم مع حدود القدرة الاقتصادية للأسر أقل من الطلب أو ما يسمى بالفجوة بين عرض الإسكان والطلب. وغالبا ما يستهدف سوق الإسكان الفئات ذات الدخل المتوسط أو المرتفع لتحقيق العائدات الاقتصادية.

وفي المقابل، هناك نحو 30-70% من السكان في البلدان النامية غير قادرين على دخول سوق الإسكان الرسمي بسبب ضعف القوة الشرائية، حيث أصبح الإسكان ميسور التكلفة محدودا بسبب المضاربة العقارية، وارتفاع الأسعار، ونقص الدعم والتمويل.

ومن هذا المنطق، أصبح الإسكان العشوائي بيئة جاذبه لهذه الفئات، بل إنه أعاد التوازن إلى سوق الإسكان من خلال توفير الوحدات السكنية (غير الرسمية) ضمن حدود القدرة الاقتصادية للأسر محدودة الدخل.

لقد تبنت العديد من الدول استراتيجيات للتعامل مع الأحياء العشوائية تتضمن إزالة الهياكل العمرانية المتدهورة، أو المخالفة لقوانين البناء، واستبدالها بمناطق سكنية في بيئات عمرانية جديدة خارج مواقع تلك العشوائيات. وغالبا ما تجري إعادة بيع واستثمار أراضي الأحياء العشوائية بعد إزالتها من قبل القطاع الخاص. في حين يجري تعويض السكان ببدائل إسكان على أطراف المدينة أو بقيمه تمويلية لا تُمكن الأسر محدودة الدخل من الحصول على مسكن داخل النطاق الحضري للمدينة!

في الحقيقة، تؤدي مثل هذه الاستراتيجيات إلى تدمير النظام الاجتماعي للأحياء العشوائية وتفكيك أنماط المعيشة الاقتصادية غير الرسمية. وعليه، فإن مشاريع الإسكان البديل يفترض أن تقدم بيئة عمرانية متكاملة وفرص اقتصادية تتلاءم مع احتياجات سكان هذه المناطق، ولكنها في الغالب ليست كذلك.

ما أعنيه، أن التوجه العام نحو إزالة المناطق العشوائية بصفتها مناطق لا تتلاءم مع النسيج العمراني الحديث يجب أن تتكامل مع برامج اقتصادية واجتماعية لسكان العشوائيات لضمان دمجهم مع السياق الحضري في المدينة، وهو ما يتوافق مع التوجه الاستراتيجي رقم (1-4-4) لبرنامج التحول الوطني في تحسين الظروف المعيشية للوافدين وتعزيز القدرة على إدماجهم في المجتمع المحلي.

إن النظرة الاستراتيجية لصانعي سياسات الإسكان نحو الأحياء العشوائية دائما ما تتسم بسلبية مطلقة، ويترتب على ذلك صياغة سياسات تتمحور في مجملها نحو التخلص التام من هذه العشوائيات بصفتها تشوه المشهد الحضري العام. وإن كان ذلك صحيحا، فهذه السياسات تتعامل مع قضية الإسكان العشوائي بصفتها بيئات عمرانية محضة، دون إدراك البنية الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية التي ساهمت في تكوينها.

نتيجة ذلك، أصبحت العديد من هذه السياسات وسيلة للقضاء على العشوائيات، ولكنها في الوقت نفسه ساهمت في هدر مخزون الإسكان دون تعويض هذا النقص من خلال إنتاج مساكن تتلاءم مع ذوي الدخل المنخفض كما ونوعا.

لقد كَرست مثل هذه السياسات مفهوما جديدا في الإسكان يمكن أن نطلق عليه مجازا «تدوير المناطق العشوائية»، حيث استُبدلت المناطق العشوائية التي تم إزالتها بعشوائيات جديدة على أطراف المدن لتشكل فيما بعد قضية عمرانية جديدة. مَقصد القول، إن توفير بيئات عمرانية بديلة لن يكون وحده كافيا لاستيعاب احتياجات سكان العشوائيات، فقد فشلت العديد من مشاريع الإسكان البديل في الدول النامية نتيجة إغفالها النظم المعيشية للسكان وارتباطها بالحيز المكاني للأحياء العشوائية.

وأخيرا، فإن تحليل البيئات العشوائية وفهم الأنماط الاجتماعية والاقتصادية لسكانها يعدان مدخلا هاما في تحسين البيئة الحالية للعشوائيات وبما يتوافق مع توجهات الرؤية الوطنية. عندئذ لن تكون إزالة العشوائيات بداية المشكلة!

مقال منشور في صحيفة مكة
https://makkahnewspaper.com/article/1515514