استراتيجية لإنعاش «قلوب المدن» والحفاظ على هويتها الاجتماعية

استراتيجية لانعاش اواسط المدن السعودية

دعا مختص في التطوير العمراني والإسكان إلى إطلاق استراتيجية لإنعاش الأحياء الواقعة في أواسط المدن، مثل العاصمة الرياض، وذلك لاستيعاب الطلب المتزايد على السكن، من خلال الاستفادة من تكامل البنية التحتية والخدمات وترميم المساكن وتحسين البيئة العامة، بحيث يتم الاستفادة من الموارد والمقومات المتاحة بشكل يتوافق مع رؤية المملكة 2030 في ترشيد الانفاق وتعزيز جودة الحياة.

وأكد د. وليد بن سعد الزامل -رئيس قسم التخطيط العمراني، أستاذ الإسكان المشارك في جامعة الملك سعود- على أن الأحياء التي تشهد تحولاً سكانياً خلال العقود الماضية تحكي قصة التحولات الاقتصادية والاجتماعية في المملكة، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن جانب يتعلق بالإهمال الحضري الذي يعتمد على التكامل والربط بين خطط التنمية، بحيث تستوعب المتغيرات بشكل يحافظ على القيمة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأماكن.

عملية منهجية

وقال د. الزامل: إن نمو المدن يتعاقب وفق مراحل زمنية تبدأ بالحي القديم أو وسط البلد والذي يشكل النواة الحقيقة للمدينة وقلبها النابض، ثم تتوسع المدينة بناء على مقتضيات النمو السكاني والاحتياج العمراني لتظهر الأحياء الحديثة على أطرافها، وهكذا وفي ظل غياب مفاهيم التجديد العمراني تبدأ هذه المناطق بالتداعي العمراني، كما تتأثر التركيبة السكانية والاقتصادية في هذه الأحياء نتيجة تدهورها ليهجرها سكانها إلى مناطق سكنية حديثة، واصفاً التجديد العمراني بأنه عملية منهجية ومستمرة لمعالجة التداعي العمراني وتحسين البيئة العمرانية بشكل يتوافق مع المفاهيم الحديثة في التخطيط العمراني ويحقق الهدف الأسمى وهو الارتقاء بالبيئة العمرانية دون إغفال النسيج الاجتماعي واقتصاديات السكان والمكان، لافتاً النظر إلى أن التوسع العمراني السريع ساهم في تطوير العديد من الأحياء السكنية الجديدة على أطراف المدن وفي أماكن بعيدة عن مركز المدينة وذلك لمواكبة متطلبات النمو السكاني، مما أثر ذلك سلباً على مركز المدينة ومستويات الوصولية، حيث تباعد المسافات بين الأحياء السكنية ومراكز الأعمال، كما أدى النمو المتلاحق لمشاريع التطوير العقاري الجديدة في إهمال أواسط المدن والأحياء القديمة أو شبه القديمة والتي أصبحت مهجورة وتعاني من التدهور العمراني وانتشار المستودعات والعمالة السائبة، مما أدى بهذه هذه المناطق أن أصبحت مهددة بفقدان هويتها العمرانية وهو ما يشكل خطراً حقيقياً على قيمتها المعنوية والتاريخية.

حفاظ وترميم

وعن مدى الاستفادة من تلك المنازل بشكلها الحالي أو إعادة ترميمها للسكن، وما الصيغة العمرانية المناسبة للتعامل مع تلك الأحياء، أوضح د. الزامل أنه على الرغم من التدهور العمراني في الأحياء القديمة وأواسط المدن إلاّ أنها لازالت تتمتع بتكامل الخدمات والبنية التحتية وبشكل يتفوق أحياناً على الأحياء الحديثة، مشيراً إلى أن معظم هذه الأحياء تقع في مواقع متميزة في وسط المدينة وبالقرب من محاور الحركة الرئيسة والخدمات والمعالم التاريخية، مضيفاً أنه في المجمل، فإن العديد من الوحدات السكنية في أواسط المدن أو الأحياء السكنية القريبة من وسط المدينة تعد بحالة إنشائية مرضية وهو ما يعزز مبدأ الحفاظ على الهياكل العمرانية وترميمها لتصبح قابلة للسكن، لافتاً إلى أنه من هذا المنطق، تأتي الحاجة إلى استغلال البنية العمرانية القائمة وتوظيفها بالشكل الأمثل لمعالجة الطلب المتزايد على الإسكان، والتوجه نحو استيعاب النمو السكاني في المناطق الحضرية داخل المدينة بديلاً للنمو العمراني الأفقي على الأطراف.

إعادة التوازن

وذكر د. الزامل أن الصيغة الملاءمة للتعامل مع الأحياء المتدهورة عمرانياً والمنازل المهجورة في أواسط المدن تتمثل بتطوير استراتيجية للارتقاء بهذه الأحياء وبالشراكة مع القطاع الخاص تقوم على أساس الاستفادة من تكامل البنية التحتية والخدمات وترميم المساكن وتحسين البيئة العامة وإعادة بناء المساكن المتداعية وبشكل يحافظ على الهوية التقليدية للمكان والموارد الاقتصادية، مضيفاً أنه تأتي هذه الاستراتيجية المقترحة بحلول تستوعب الموارد والمقومات المتاحة في المكان وبشكل يتوافق مع أهداف رؤية المملكة 2030 في ترشيد الإنفاق الحكومي والارتقاء بالأحياء السكنية وتعزيز جودة الحياة.

وحول كيف إعادة إحياء تلك الأحياء شبه القديمة وإعادة جذب السكن لها وهل يمكن أن يكون لها دور في ضخ وحدات سكنية في مدينة الرياض مثلاً، قال: إن إعادة إحياء المناطق شبه القديمة أو تلك المحيطة بوسط المدينة سوف يساعد على إدماجها ضمن السياق الحضري وبالتالي تقليل السلبيات الناجمة عن الزحف العمراني واسع النطاق وإعادة تدوير الوحدات السكنية بدلاً من إنشاء أو تطوير أحياء سكنية جديدة مكلفة وتقع على أطراف المدن، كما تساهم إعادة إحياء تلك المناطق في رفع القيمة العقارية لهذه المناطق ويعيد التوازن في التركيبة السكانية وجذب السكان لها لا سيما لكونها تقع في مناطق حيوية في المدينة.

تغطية العجز

وأكد د. الزامل على أن إعادة إحياء المناطق القديمة والأحياء المتدهورة عمرانياً يمكن النظر لها بوصفها جزءًا من سياسة شاملة للتعاطي مع أزمة الإسكان واستغلال البنية العمرانية القائمة وتغطية العجز في سوق الإسكان، مضيفاً أن هذه السياسة سوف تساهم في المحافظة على استقرار السكان في مناطق سكنية قريبة من الخدمات وأماكن العمل وصولاً لتحقيق الملائمة الاقتصادية والاجتماعي.

يشار التي أن من أشهر الأحياء التي شهدت هجرة سكانية وتحولاً في التركيبة الاجتماعية في العاصمة الرياض أحياء عليشة، الملز، السليمانية، والعليا، وهي أحياء لاتزال قادرة على استيعاب مزيد من السكان، وتتمتع بخدمات متكاملة من البنية التحتية.

جريدة الرياض | استراتيجية لإنعاش «قلوب المدن» والحفاظ على هويتها الاجتماعية (alriyadh.com)

Attachment
Attachment Size
النص الأصلي 0 bytes