الأمطار تكشف سوء تخطيط المدن!

الامطار تكشف سوء تخطيط المدن

شهدت المدن السعودية خلال الأسبوع الماضي أمطارا غزيرة سالت على إثرها الأودية وأغرقت العديد من الطرق والأنفاق وخلفت أضرارا هائلة على الممتلكات العامة والسيارات. ويتكرر مشهد غرق بعض الأحياء السكنية والطرق في المدن الكبرى سنويا ويصاحب ذلك خسائر اقتصادية نتيجة توقف العمل والدراسة أو إصلاح الأضرار أو دفع التعويضات الناتجة من هذه الأمطار.

وتأتي (بعض) تبريرات السيول في سياق يؤكد على كمية الأمطار غير المسبوقة وعدم قدرة البنية التحتية للمدن بوضعها الحالي من التعامل مع هذه الأمطار.

بالتأكيد مثل هذه التبريرات غير مقبولة فالأضرار التي خلفتها الأمطار تباينت من مدينة إلى أخرى؛ فهناك بعض المدن بقيت شوارعها دون غرق إما لأنها خططت بشكل يتماشى مع طبيعة الموقع أو لكونها تلافت الأخطاء وعالجت المشكلة مبكرا، وفي المقابل، هناك مدن أخرى تغرق شوارعها وأنفاقها وتتحول إلى بحيرات عميقة في كل موسم أمطار!

إن تطور العلم والمعرفة البيئية أسهم بشكل كبير في تفسير الظواهر البيئية؛ بل تحويل بعضها من ظواهر ميتافيزيقية إلى حقائق علمية. بالتأكيد هذا التطور العلمي لا يكشف لنا جُل الحقائق والظواهر البيئية أو يتنبأ بالأخطار الطبيعية، ولكنه على أقل تقدير يساعد على خلق المزيد من الفرص في تبني الخطط والاستراتيجيات المناسبة للحد من الآثار السلبية المترتبة على تلك المخاطر.

في التخطيط العمراني يتم الاعتماد على مبدأ تفكيك المشكلة أو تجزئتها بحيث يمكن التعامل معها داخل المدينة، فعندما نتعامل مع مشكلة متركزة في مواقع محددة يسهل وضع الحلول المناسبة لها.

تتكرر مشكلة الأمطار في كل موسم وتعاني بعض المدن الكبرى وبالتحديد جدة ومكة المكرمة من أضرار واسعة النطاق نتيجة جرف السيول للشوارع والممتلكات الخاصة.

إن التنبؤ بالتحديات البيئية ولا سيما أضرار الأمطار والسيول أمر ممكن حتى لا تستند حلولنا إلى الارتجال وعدم اليقين، ليس بالضرورة تطوير حلول مكلفة اقتصاديا تتضمن إعادة تخطيط المدن أو حفر قنوات تصريف أمطار ضخمة؛ بل يمكن رسم سيناريوهات نمذجة مختلفة لمحاكاة هطول الأمطار ودرجة ارتفاع منسوبها في الأحياء السكنية وتتبع مسارها داخل المدينة وبالتالي تحديد مواقع تجمعات الأمطار ومسارها بالخرائط ومعرفة أكثر الأماكن تضررا.

وهكذا، يمكن وضع أولويات لمعالجة هذه المواقع تتضمن تدابير عاجلة أو متوسطة حسب نوع وحجم المشكلة.

في الواقع، الأحياء السكنية التي تقع على مسارات السيول أو بطون الأودية تعد مناطق غير قابلة للتطوير السكني حسب معايير التخطيط العمراني؛ وبالتالي لا يمكن بناء حلول عملية على أساس خاطئ، ولا بد من إصلاح الخطأ أولا بإزالة هذه الأحياء السكنية والاستفادة من مواقعها كمنتزهات تتضمن قنوات طبيعية للمياه، ويجب أن تترافق هذه الحلول مع تشريعات عمرانية صارمة تضمن عدم التطوير السكني في المواقع الخطرة أو غير القابلة للاستيطان البشري كالمناطق ذات التضاريس الوعرة أو الأودية أو تلك الواقعة ضمن مسارات السيول.

وأخيرا، من الأهمية بمكان التخطيط لمستقبل المدن السعودية ودراسة اتجاهات التمدد العمراني والعمل على تحديث المخططات الهيكلية بشكل يراعي تحليل خصائص البيئة الطبيعية وحماية الأودية وتحديد المناطق القابلة للتطوير السكني حتى تكون مدننا أكثر استدامة.
https://makkahnewspaper.com/article/1580800

المرفقات
المرفق الحجم
النص الأصلي 223.6 كيلوبايت