الأماكن العامة بين احتياجات البشر ومزاجية الكلاب!!

الاماكن العامة

قبل أكثر من عقد من الزمان وفي فترة ابتعاثي إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة، كنت أمارس رياضة المشي يوميا داخل الحي السكني الذي أقيم فيه. كان أحد كلاب العائلة التي أقيم معها يحرص على مرافقتي أثناء الخروج والعودة.

لم أدع هذا الكلب لمرافقتي بتاتا ولكنه كان يعزم نفسه ويرفض الانصياع والعودة للمنزل. قيل لي لاحقا إن الكلاب من أكثر الحيوانات الأليفة التي تفضل المشي والتجول لتحسين حالاتها المزاجية وإن بقاء الكلب في المنزل لفترة طويلة قد يصيبه بالاكتئاب.

كنت أعرف أن مرافقة الحيوانات الأليفة في الأماكن العامة لها آدابها فهذه الحيوانات يمنع اصطحابها داخل المحلات التجارية، أو المطاعم، أو الحدائق العامة ويعد ذلك مخالفة صريحة يعاقب عليها القانون.

وعلى الرغم أن المجتمع الأمريكي يعد من الأكثر المجتمعات محبة للكلاب إذ لا يخلو منزل من وجود كلب واحد على الأقل؛ إلا أنه يرفض أي تصرف سلبي يصدر من الكلب في فضاء المدينة كالإزعاج، أو تلويث المكان بالقاذورات، أو مضايقة الآخرين، ويتحمل صاحبه أو من يرافقه المسؤولية الجنائية والأخلاقية. وعندما يتجول صاحب الكلب ليمارس رياضة المشي يحرص عادة على حمل قفازات ومجموعة من الأكياس البلاستيكية الصغيرة ليحمل أي قاذورات تصدر من الكلب ويرميها في سلة النفايات حفاظا على نظافة المدينة؛ إنها مسؤولية اجتماعية قبل أن تكون تشريعات أو تنظيمات قانونية. وقد لا يخفى على الكثير وجود حدائق وخدمات مخصصة للحيوانات الأليفة إذ يمنع اصطحاب هذه الحيوانات إلى الأماكن العامة المخصصة للبشر.

ما جرني لتناول هذا الموضوع هو انتشار ظاهرة تربية الحيوانات (الكلاب) واصطحابها إلى أماكن عامة غير مخصصة لهم كالحدائق العامة أو المقاهي أو حتى داخل الأسواق والمحال التجارية، إن هذا السلوك يزعج مرتادي المكان ويصيب العديد من الأطفال والنساء بالخوف والذعر؛ بل يتعارض مع المادة السادسة من لائحة الذوق العام التي تنص على أنه «لا يسمح في الأماكن العامة بأي قول أو فعل فيه إيذاء لمرتاديها، أو إضرار بهم، أو يؤدي إلى إخافتهم أو تعريضهم للخطر».

اليوم، تجد (بعض) الشباب يصطحب كلابا من الحجم الكبير دون استخدام حزام أو رباط مما يجعل هذا الكلب يسرح ويمرح ويشكل خطورة بالغة على الأطفال والرضع، كما يجتمع أصحاب الكلاب ويخرجون للتنزه في الحدائق العامة ليزعجوا البشر ويشاركوهم تلك المواقع في صورة لا تتفق مع الفطرة السليمة. يتوقف هذا الكلب برهة ليقضي حاجته ويرمي قاذوراته بمزاجية في أي مكان يشاء ثم يغادر أمام مرأى جموع غفيرة من البشر وكأن الموضوع لا يعنيه ولا يعني صاحبه.

وفي الجانب الآخر، تتحولق (بعض) الفتيات الجميلات على صاحب الكلب وتحيط به من جميع الجهات رغبة بالتصوير معه؛ عفوا أقصد مع الكلب مصحوبة بابتسامة رقيقة وجمل إعجاب من قبيل «واو كيوت حبيت» وكأنهن يشاهدن مخلوقا فضائيا ينزل من السماء لأول مرة! وينتهي هذا الثناء بعبارة «بليز ممكن صورة مع الكلب» ليشعر حينها هذا الشاب بالبهجة والنشوة والفخر وكأنه حقق حلم حياته؛ وتستمر هذه الظاهرة بالانتشار كصورة ذهنية خاطئة تماما عن مفهوم الانفتاح الثقافي. في الواقع، لا أستطيع أنا ولا أحد من مرتادي المكان أن يتحدث أو ينبس ببنت شفة مع هذا الشاب ليس خوفا منه بل خوفا من الكلب! وكما يقال في الأمثال الشعبية الكلب شاف الوضع «سمردحة» وحب يشاركنا الفضاءات العامة في المدينة!

ختاما، لست ضد تربية الحيوانات الأليفة بل أدعو لرعايتها والإحسان لها؛ ولكن مع تحمل مسؤولياتها القانونية والجنائية مع ضرورة وجود لائحة واضحة تعاقب من يصطحب هذه الحيوانات في أماكن عامة وقبل ذلك كله احترام حقوق البشر أولوية في المدن.

https://makkahnewspaper.com/article/1571352

المرفقات
المرفق الحجم
النص الأصلي 234.63 كيلوبايت