معركة ذات الشوارع!!

معركة ذات الشوارع

سبق وأن كتبت مقالا في صحيفة «مكة» بعنوان «معركة اقتناص موقف لسيارتك» تناولت فيها ظاهرة ندرة المواقف في بعض المؤسسات والمراكز الخدمية ومعاناة المراجعين في الحصول على موقف ضمن إطار يتلاءم مع التشريعات العمرانية، وقد شبهت فرصة الحصول على موقف للسيارة بالمعركة التي يجب أن يتحلى فيها قائد المركبة بالصبر، والحكمة، والثبات الانفعالي، وسرعة البديهة، ومهارة القيادة. اليوم، سوف أسرد لكم قصتي مع «معركة ذات الشوارع» وهي معركة من نوع آخر وأعتقد أنها أشد فتكا من «معركة المواقف».

أزور والدتي التي تقيم على مسافة 30 كيلو مترا تقريبا من مكان إقامتي في مدينة الرياض وفي كل مرة أحاول أن أسلك طرقا متعددة تجنبا للازدحام المروري واختيار أوقات مناسبة لا تتقاطع مع أوقات ذروة الازدحام، وفي وقت المساء وعندما تغيب الشمس ويسدل الليل ستاره وفي طريق عودتي إلى المنزل أحاول تجنب (المركبات الطائشة) والتي يبدأ نشاطها غالبا في أوقات المساء. هذه المركبات بات وجودها يكدر صفو القيادة، وأصبحنا جميعا نعرف مواصفاتها والتي غالبا ما تكون سيارات مظللة ومزودة بكشافات وإضاءة ساطعة، مقدمتها مصنوعة من الفولاذ القوي المقاوم للصدمات؛ كما يتم تزويدها بأدوات وقطع إضافية لتضخيم صوت المحرك لتصبح شبيهة بأصوات محرك الطائرة النفاذة.هذه المركبات تسير بأقصى سرعة متجاوزة السرعة القانونية ومواقع كاميرات المراقبة، وتناور من اليمين إلى اليسار بطريقة مرنة تثير الإعجاب والاشمئزاز في آن واحد.

وعندما يسلك قائد هذه المركبة المسار الأيسر فالويل لمن لا يبتعد عن طريقة ويفسح له المجال؛ لأنه سوف يواجه شتى صنوف الإرعاب حيث تلتصق مقدمة سيارته بمؤخرة سيارتك بطريقة فنية عجيبة دون ترك أي فجوة أو مسافة آمنة، كما يصدر صاحب هذه المركبة إشعاعات ضوئية وكأنها قادمة من مركبة فضائية تفقدك البصر لثوان معدودة لتصاب بعدها بالشلل التام والارتباك، ثم تبدأ الأصوات المرعبة تصدر من هذه المركبة وكأنها هدير طائرة عسكرية تستعد لإيذان المعركة. في الواقع، يقود هذه المركبة الطائشة شخص يتلذذ بإرعاب مرتادي الطريق تارة بالأصوات المرعبة والفلاشات الضوئية المزعجة وتارة أخرى بالمناورات الخطيرة.

بالنسبة لي وكمتخصص في «التخطيط العمراني» تعلمت رسم السيناريوهات المستقبلية ولدي قدرة على التنبؤ بردود أفعال هذه المركبة الطائشة، لذلك، عندما أواجه مثل هذا التصرف أحاول أن أتحلى بالهدوء ورباطة الجأش لأنتقل بشكل هادئ وتدريجي إلى المسار الآخر بعيدا عنه؛ فالانتقال السريع أو المرتبك يمكن أن يلخبط حسابات هذه المركبة الطائشة أو يكدر مزاج صاحبها ويؤدي عندئذ إلى عواقب وخيمة. لست أنا من واجهت ذلك وحدي؛ بل أجزم أن العديد من مرتادي الطريق يواجهون ذلك يوميا.

على أي حال، هذا هو حكم القوي على الضعيف، فالخضوع والاستسلام أمر حتمي في مثل هذه المعارك، أتصور في حال التأخر عن الانصياع والتحرك سريعا من ذلك المسار سوف يكون مكاني المتوقع هو المستشفى في أفضل الأحوال فليس لدي أدنى شك أن صاحب هذه المركبة الطائشة مستعد تماما لصدمي من الخلف بطريقة فنية رائعة تجعلني معها أتدحرج وألتف على نفسي خمس مرات كعلبة معدنية لأصدم في طريقي جميع المركبات التي تسير معي في نفس الاتجاه ونواجه جميعا مصيرنا المجهول؛ أما هو فسوف يناور برشاقة ليهرب كعادته دون أدنى مسؤولية! أضع هذه القصة أمام المسؤولين لوضع حد لهذه الممارسات التي يصعب ضبطها من خلال كاميرات المراقبة.

وختاما، أتساءل عن حجم الرعب الذي يمكن أن يتملك كبير السن أو المرأة أو الأسرة التي لديها أطفال تجاه هذه المركبات الطائشة؟ بالنسبة لي أعلن الاستسلام والانصياع حفاظا على حياتي فماذا عنكم؟!

https://makkahnewspaper.com/article/1569866

المرفقات
المرفق الحجم
النص الأصلي 241.42 كيلوبايت