التنمية العمرانية والمثلث الذهبي!

هناك العديد من الأفكار التي خطرت في ذهني عندما قرأت مواضيع ودراسات حول العلاقة بين البيئة والتنمية، وما إذا كانت تنمية المجتمعات تصاحبها غالبا آثار سلبية على البيئة والمجتمع.

هذه الإشكالية تعد أحد أهم أهداف «التخطيط العمراني»، حيث يسعى المخطط العمراني لتطوير سياسات عمرانية تحقق التوازن في أضلاع الاستدامة «المثلث الذهبي» وأعني به البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والبعد البيئي. إن التنمية العمرانية التي يقودها السوق وتركز على الجانب الاقتصادي وحده تخلف العديد من الآثار السلبية على البيئة والمجتمع؛ فالمصانع والمنشآت الاستثمارية والعقارات الضخمة قد تؤثر على البيئة وصحة الإنسان وتزيد من التهميش الاجتماعي. وفي حال غياب التشريعات العمرانية والحوكمة الرشيدة ضمن إطار المدينة فإن المنظومة الاقتصادية سوف تؤكد على تعظيم العوائد الاقتصادية ولن ينظر إلى الضوابط الاجتماعية وحقوق الأقليات والأجيال القادمة واحتياجات الفقراء.

تاريخيا، صاحبت الثورة الصناعية آثار سلبية على البيئة والمجتمع حيث ظهرت الأحياء الفقيرة، والتلوث الذي تسبب بانتشار الأوبئة، واستنزفت القوى العاملة لخدمة أصحاب رؤوس الأموال والمتنفذين بعيدا عن توفير متطلبات الحياة الكريمة لهم.

وهكذا، فالنظم الاقتصادية تميل نحو استنفاد الموارد لتحقيق أعلى درجة من المكاسب المادية مقارنة بالضرر الهائل الذي ينعكس على البيئية والمجتمع. وفي المقابل، فإن الاهتمام بالبيئة وحدها دون تسخيرها في خدمة المجتمع والاقتصاد يعد ترفا ممقوتا؛ بل هو نوع من السذاجة الذهنية إن جاز التعبير.

في الواقع، تلعب التنمية الاقتصادية دورا هاما في ارتقاء المجتمعات، ولكنها أحيانا تسعى لخدمة المستثمرين أو أعداد قليلة من السكان إذا لم يتم ضبطها بقواعد وتشريعات عمرانية صارمة.

وتحاول العديد من النظريات والنماذج تطوير إطار يحكم العلاقة بين الاقتصاد والبيئة ويساعد على إنشاء مجتمعات حضرية من خلال سياسة عمرانية متوازنة أو ما يعرف بمفاهيم الاستدامة، والسؤال الناجز هنا هل من الممكن أن تكون مشاريع التحديث متوافقة مع النظام البيئي وتخدم المجتمع؟ وهل الدول المتقدمة فعلا لديها درجة عالية من الكفاءة في استخدام الموارد أم أنها تتخلص من نفاياتها للدول الفقيرة لتعود لاحقا بآثارها السلبية على شعوب العالم؟!

لقد أسهمت التطورات الاجتماعية التي صاحبت ازدهار النشاط الصناعي في المجتمعات الغربية في ظهور منظور جديد يحكم العلاقة بين الاقتصاد، والمجتمع، والبيئة. منذ ذلك الوقت، بدأ العلماء في تطوير أفكار وسياسات لإصلاح المدن الناتج من ضعف السياسات التنموية وصولا لخلق المزيد من التوازن بين البيئة والاقتصاد.

يشير Bryant (2010) في موضوع «التطلع إلى الهاوية: البيئة والبحث والعبثية» ضمن كتاب «الدليل الدولي لعلم الاجتماع البيئي» إلى «أن الناس يعيشون في النظام الاقتصادي، يركضون نحو تحقيق مكاسب، غير مبالين بما سيحدث في المستقبل القريب؟ لا يزالون يفرطون في إنتاج واستهلاك الموارد الطبيعية مثل المياه والمعادن، مما يسهم في تسريع وتيرة الكوارث البيئية، بالرغم من عدم الوضوح التام أو الضبابية القاتمة حول البيئة التي يعيشون فيها».

خلاصة القول، إن استهلاك المجتمعات للموارد دون الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة، وعدم اكتمال المنظومة التشريعية والحوكمة الفاعلة التي تؤكد على مبادئ العدل والشفافية والمساواة وتترجم الخطط والاستراتيجيات إلى واقع تنفيذي ملموس سيؤدي إلى مخاطر بيئية واقتصادية تنعكس سلبا على المجتمع، ولن تضمن لنا الحلول «المرتجلة» في كل مرة استمرار التنمية بكفاءة إذا لم تقترن بنهج علمي واضح لإزالة الضبابية حول مستقبل التنمية العمرانية.

https://makkahnewspaper.com/article/1569301

المرفقات
المرفق الحجم
النص الأصلي 216.95 كيلوبايت