المدينة بين الصورة الجمالية والصبات الخرسانية!

المدينة بين الصورة الجمالية والصبات الخرسانية

سألت أحد طلاب التخطيط العمراني ذات يوم ما هي الشخصية أو الهوية البصرية التي تستحضرها في ذهنك عن مدينتك؟ فقال لي: إذا كنت تريد إجابة مثالية لهذا السؤال من أجل الامتحان فسوف أجيبك بالقول «إن أكثر ما يميز مدينتي شوارعها الفسيحة، وميادينها، وحدائقها الغناء، ومركزها النابض والمفعم بالحياة. تتناغم هذه العناصر في مجملها لتشكل أنماطا عمرانية تتماهى مع احتياجات كافة شرائح المجتمع.

أما إذا أردت إجابة حقيقية بلا رتوش فأكثر ما تتسم به مدينتي انتشار المحلات التجارية على جانبي الشوارع وخاصة مطاعم الوجبات السريعة والمقاهي والصيدليات ومحلات الحلاقة. لقد أصبحنا نواجه إشكاليات نقص المواقف والاختناقات المرورية يوميا في الصباح والمساء حتى اعتدنا عليها وأصبحت جزءا من حياتنا»، واسترسل في حديثة قائلا: مركز مدينتي يبعد عن مكان إقامتي أكثر من 20 كيلومتر فما الذي يدعوني لزيارته فاحتياجاتي اليومية أقضيها في الأسواق القريبة ولا حاجة لقطع كل هذه المسافة فضلا عن تكبد عناء الازدحام المروري وعدم توفر مواقف كافية للسيارات؟

أما أذا كنت تسأل عن الصورة البصرية لمدينتي التي علقت وترسخت في ذهني منذ عقد من الزمان فهي انتشار الحفريات وأعمال الأشغال العامة والحواجز الخرسانية ومخلفات البناء، مدينتي ترتبط مع الحواجز الخرسانية بحكاية طويلة، وعلاقة وطيدة، إذ لا يمكنك السير في الشارع دون مشاهدتها لمرات متعددة وفي مواضع مختلفة، الحواجز أو الصبات الخرسانية في مدينتي مثل (الجوكر) توضع في كل مكان لسبب أو حتى بدون سبب؛ ولها مآرب أخرى سواء لتنظيم الحركة المرورية في المنعطفات وعلى جانبي الطرق وفي مداخل المواقف والأسواق والمجمعات السكنية، كما أنها تستخدم أيضا لحماية بعض المرافق الهامة مثل أبراج الكهرباء، وأسوار المباني، وبعض المولدات الكهربائية. لقد أضحت هذه الحواجز الخرسانية بمثابة الصديق الدائم الذي لا مناص منه يرافقنا أينما ارتحلنا، نجدها في الشوارع المحلية والتجارية والطرق السريعة؛ بل هي معك حتى في طرق السفر!

في الواقع، لم تشكل إجابة الطالب ما يدعو للدهشة بالنسبة لي كمتخصص في التخطيط العمراني؛ فالمدن الكبرى تصعب إدارتها نتيجة ترامي أطرافها ويتلاشى دور المركز أو وسط المدينة القديم نتيجة صعوبة الوصولية وتباعد أحيائها السكنية.
و الصورة الذهنية في بعض المدن الكبرى مشوشة ويغلب عليها هيمنة النشاط الاقتصادي والبناء الخرساني، وهكذا تبدو هذه المدن في حالة حركة دؤوبة بين معاول الهدم وأدوات البناء للتعامل مع قضايا النقل والوصولية والطلب على الإسكان والخدمات.

تحاول هذه الأعمال الإنشائية وضع مساحيق التجميل للمدينة المترهلة بالحفر والترميم تارة وفي البناء والتجديد تارة أخرى فما أن ينتهي مشروع حتى يبدأ مشروع آخر. إن شخصية المدينة المستدامة هي تلك التي يمكن أن نميز بين أحيائها السكنية ومساراتها وحدودها وميادينها العامة بوضوح وسهولة. تترابط عناصرها العمرانية من خلال مخطط هيكلي مدروس، وتتكامل من خلال تصميم عمراني وتشكيل بصري بديع نستحضره عندما نزورها أو نعيش فيها. إن بناء شخصية المدينة يتطلب أن تعكس طموحات فئاتها الاجتماعية من خلال نظام حوكمة يسهم فيه سكانها، هذا البناء والعمران لا يقتصر على التكوين الجسدي للمدينة بما يحمله من عناصر مادية؛ بل بالمعاني الوظيفية، والقيمة الثقافية والتاريخية، والمضامين الاجتماعية التي تؤكد على مبدأ المشاركة المجتمعية، وتحمل الصورة المرئية للمدينة هذه المعاني من خلال ما تقدمه من عناصر ترسم التصور البصري في ذهنية سكانها لتشكل فيما بعد شخصية المدينة.

https://makkahnewspaper.com/article/1564977

المرفقات
المرفق الحجم
النص الأصلي 247.69 كيلوبايت