تجار الأراضي ونصيحة «اقضب أرضك»؟!

تجار الأراضي ونصيحة «اقضب أرضك»؟!

«اقضب أرضك» هو مثل شعبي شائع يضرب كنصيحة في البقاء على الحال أو في المكان ذاته دون تغيير. المثل أصبح رائجا حاليا ويردده الكثير من التجار ويقصد به اكتناز الأراضي والاحتفاظ بها لأطول فترة ممكنة وانتظار ارتفاع السعر ثم جني الربح الوفير، ومن المعروف كقاعدة اقتصادية أن الامتناع عن البيع يؤدي إلى قلة نسبة المعروض وبالتالي زيادة الأسعار، وهذا يفسر ولو بشكل جزئي أسباب ارتفاع نسبة الأراضي الفضاء التي قد تصل إلى 50% من مساحة بعض المدن الكبرى؛ فأصحاب هذه الأراضي أما أنهم ينتظرون التمويل المناسب للبناء عليها أو لا يرغبون أصلا في بيعها. لذلك، فإن توفر الأراضي الفضاء في مدينة ما لا يعني أنها قابلة للتداول أو متاحة لمعظم المستفيدين ضمن حدود قدرتهم الاقتصادية.

يروج العديد من التجار للاستثمار في الأراضي نظرا لوفرتها وعائدها المالي، ويعطي العديد منهم نصائح وتوصيات لاقتناء الأرض وخصوصا في المدن الكبرى كالرياض وجدة والدمام ومكة المكرمة نظرا لارتفاع حجم الطلب. وفي المجمل، تتميز هذه المدن وبنسبة كبيرة بالبنية التحتية وتوفر العديد من المشاريع الضخمة سواء كانت تجارية أو صناعية، وهي بذلك هدف للعديد من المستثمرين.

لقد أصبح شراء الأرض الخام -كما يقولون- أكثر جدوى وجاذبية من تطويرها والبناء عليها فلا حاجة من تطوير الأرض إذا كان اكتنازها يدر عوائد مجزية، والأسباب كثيرة منها:

أولا: ضمان بقاء الأرض الخام وعدم اختلافها أو تدهورها نتيجة الظروف الطبيعية أو الاستعمال بخلاف المباني التي يمكن أن تتدهور وتحتاج إلى صيانة دورية ومصاريف مالية.

ثانيا: ارتفاع سعر الأرض الخام مع مرور الزمن؛ فالأرض التي تقع على أطراف المدينة سوف تصبح يوما ما داخل المدينة ويزيد سعرها؛ بخلاف العقار المطور الذي يمكن أن يتدهور وتقل قيمته السوقية.

ثالثا: من يشتري الأرض يطلق عليه مجازا لقب «تاجر أراضي» على الرغم من أنه لم يبذل أي مجهود سوى أنه قام بشراء الأرضي وتخزين صكوك الملكية في مكان أمين كالخزنة مثلا. على عكس بقية الاستثمارات التي تتطلب متابعة، وصيانة، وعمالة، ودراسات جدوى اقتصادية، ومعرفة وافية بالعقود والإجراءات الإدارية والتمويلية.

جميع العوامل السالفة شجعت العديد من السكان ممن لديهم الملاءة المالية لاكتناز الأراضي بمساحات واسعة وعدم بيعها وبالتالي أثر ذلك سلبا على سوق الإسكان، حيث ارتفعت الأسعار وأصبحت قيمة الأراضي اليوم أربعة أضعاف قيمتها قبل عقدين من الزمان.

من رأيي أنه من المفترض أن الأرض ليست للتجارة؛ بل هي بمثابة خدمة تشتريها فقط من أجل البناء عليها وتطويرها، أو تتركها وشأنها ليستفيد غيرك منها في البناء والتطوير، أما اكتناز مساحات واسعة من الأراضي لأغراض الاستثمار -عفوا أقصد الاحتكار- فهي أشبه بتجفيف السوق من المنتجات الاستهلاكية ثم بيعها بأسعار باهظه.

إن التجارة بالأراضي الخام دون أي نية للتطوير أو البناء النفعي الذي يخدم مجتمع المدينة ليس له وصف واضح في القواميس العلمية سوى أنه ببساطة يعني حجز الأرض لأطول فترة ممكنة حتى يرتفع سعرها ثم بيعها لجني الأرباح، هذا الاكتناز يتنافى مع أبسط مبادئ «التخطيط العمراني» التي تدعو إلى «عدالة السوق» بحيث تتلاءم قيمة الأرض أو المنتج العقاري مع متوسط الدخل العام لسكان المدينة في ظل اقتصاد حر.

ومن المأمول أن يسهم انطلاق المرحلة الثانية من «برنامج رسوم الأراضي البيضاء» في تحفيز تطوير الأراضي البيضاء أو بيعها وبالتالي زيادة كمية المعروض وتخفيض الأسعار، مع التأكيد على أن الوقت قد حان لاختبار فعالية البرنامج وتقويم التجربة بكافة مكوناتها بما فيها آليات تحصيل الرسوم وأنظمة الرقابة وصولا إلى سوق إسكان عادل.

https://makkahnewspaper.com/article/1563551

المرفقات
المرفق الحجم
النص الأصلي 226.83 كيلوبايت