السياسات البيئية في إطار هيمنة العولمة الاقتصادية

السياسات البيئية

لقد أسهمت التطورات السريعة في أنظمة الاتصالات وثورة المعلومات في تعزيز العولمة الاقتصادية. تكاد مجتمعات العالم اليوم تعيش في قرية صغيرة تؤثر وتتأثر بالنظام الاقتصادي العالمي.

إن التنمية الصناعية غالبا ما تكون مصحوبة بمشكلات بيئية مثل التلوث، والاحتباس الحراري، والتصحر، واستنزاف الموارد الطبيعية. وعليه فإن التعامل مع المشاكل البيئية في نطاق المدن لا يقتصر على تطوير تشريعات لحماية الموارد البيئية فحسب؛ بل من الأهمية بمكان فهم طبيعة العلاقة بين المجتمع والبيئة وبشكل يسهم في تقليل المخاطر ويعزز من دور جماعات حماية البيئة.

تحقق البيئة المبنية ثلاث وظائف رئيسة للمجتمعات البشرية فهي مكان للسكن، ومصدر لإمداد الطاقة، ومستودع للنفايات، وفي ظل غياب التشريعات التي تضبط العلاقة بين الإنسان والبيئة يمكن أن يؤثر النمو السكاني سلبا على مصادر الطاقة والموارد؛ فالاستهلاك غير المنظم يؤدي إلى اختلال التوازن في النظام البيئي واستنفاد الموارد في المستقبل؛ لذلك تؤكد مفاهيم التخطيط، والاستدامة، وعلم الاجتماع البيئي على الاستهلاك الرشيد للموارد بما يضمن حقوق الأجيال القادمة.

يتناول علم الاجتماع البيئي طبيعة العلاقة والتفاعلات بين المجتمع والبيئة، مثل العلاقة بين التعرض العرقي والاجتماعي للمخاطر البيئية. إن القيود البيئية والقوانين الصارمة في البلدان المتقدمة يمكن أن تسهم في تحسين البيئة وبناء مجتمعات صديقة للبيئة، ومع ذلك، اعتقد أن وجود ضوابط وتشريعات بيئية لن تكون الطريق الوحيد لحل القضايا البيئية في العالم في سياق التطور الرأسمالي المتقدم؛ فالتشدد في أنظمة الرقابة البيئية في الدول المتقدمة أسهم في هجرة بعض المؤسسات الصناعية الضارة إلى الدول الفقيرة لهشاشة أنظمة الرقابة فيها أو رغبة في الهروب من الضرائب المحلية، أو لوفرة اليد العاملة في تلك الدول.

وفي جميع الأحوال، شجعت العولمة الاقتصادية على هجرة العديد من المصانع ورؤوس الأموال من الولايات المتحدة إلى شرق آسيا والهند لتحقق عوائد اقتصادية كبيرة هناك. إن مثل هذه الهجرات ستؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية والتلوث البيئي؛ بل وتصدير النفايات الضارة وحتى السامة من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة وهو ما يتنافى مع مبادئ الاستدامة. في الواقع، لم تعد المشاكل البيئية التي تحيط بالمجتمعات المحلية مقتصرة على بعض البلدان الفقيرة، لكنها أصبحت تهدد وجود المجتمع البشري نظرا لأننا نعيش في كوكب واحد!

حتى عام 1960 تمحور الرأي حول الاقتصاد بوصفه استغلالا للموارد المادية بمعزل عن الآثار البيئية المترتبة على ذلك. اليوم، أصبحت المفاهيم الحديثة في التخطيط البيئي تعتمد على دمج البيئة في الاقتصاد من خلال الاستغلال الأمثل للموارد، كما ظهرت العديد من الاتجاهات مثل حركة الإيكولوجيا العميقة والتي تعتمد على قيم الدعوة الأخلاقية والاجتماعية والروحية للعدالة والمساواة والتقسيم الأمثل للموارد في مواجهة استبداد النظم الاقتصادية المهيمنة. في حين ركز مفهوم إدارة الموارد على دراسة العلاقة بين المتغيرات لضمان الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية مثل العلاقة بين خصوبة التربة والإنتاج الزراعي والمياه والتحكم في استهلاك الفرد، كما وضع علم الاجتماع البيئي أسسا لتطوير حلول بيئية من منطلقات نابعة من المجتمع بحيث تتناول دراسة العلاقة بين التعرض العرقي والاجتماعي للمخاطر البيئية وبما يسهم في إيقاظ الحركات الاجتماعية التي تطالب بحماية البيئة، وأخيرا، برز مفهوم التنمية البيئية لتقليل الصراع بين الاقتصاد والبيئة، حيث تتكامل التنمية مع البيئة من خلال خلق علاقة بين المجتمع والبيئة بحيث يتعايشان جنبا إلى جنب وفقا لمنهج تكاملي مع النظام البيئي.

وختاما، لا بد أن يرتبط التخطيط والتنمية العمرانية بالبيئة من خلال دراسة المواقع المناسبة للاستيطان البشري وتطبيق مبادئ الطاقة البديلة والتقنيات المتقدمة في التخلص من النفايات لتكون مدننا أكثر استدامة.

https://makkahnewspaper.com/article/1555372

المرفقات
المرفق الحجم
النص الاصلي 263.46 كيلوبايت