الزحف العمراني على الأراضي الزراعية في المدن السعودية

الزحف العمراني على الأراضي الزراعية

تشهد المدن السعودية نموا عمرانيا واسع النطاق، حيث تضاعف حجم المدن من حيث المساحة والسكان خلال العقود الأربعة الماضية.

تعد الأراضي الزراعية رافدا هاما للمدن في تعزيز نشاطها الاقتصادي وتوفير الفرص الوظيفية ودعم الناتج المحلي وتلبية الاحتياجات الغذائية للسكان، كما أنها مورد هام لتحقيق الأمن الغذائي وإعادة التوازن البيئي والحد من التلوث، ويشكل الزحف العمراني على الأراضي الزراعية أحد المخاطر التي تواجه البيئة الطبيعية ولا سيما في الدول الصحراوية؛ لكونه يستنزف من هذه الموارد ويؤثر سلبا على اقتصاد المدن.

ويأتي الزحف العمراني (العفوي) كأحد العواقب السلبية للتحضر السريع، والنمو غير المتوازن، وارتفاع معدلات الطلب على الخدمات، والرغبة الجامحة في تطوير الأرض بعيدا عن مبادئ التخطيط والاستدامة وفي ظل ضعف التشريعات العمرانية.

لقد أثر النمو العمراني المتسارع على جودة الحياة في المدن؛ حيث تسارعت خطى البناء والعمران لاستيعاب النمو السكاني (البعد الكمي) بغض النظر عن أنماط التخطيط الملائمة للسكان (البعد الكيفي). إن الزحف العمراني العفوي له عواقب سلبية على الأراضي الزراعية لكونه يسهم في هدر الغطاء النباتي وانحسار الرقعة الخضراء، وتدمير النظام البيئي على المدى الطويل.

وفي ظل استمرار الزحف العمراني في مدن المملكة العربية السعودية وغياب السياسات الفاعلة للتحكم بالنمو العمراني أصبحت المناطق الزراعية مهددة بالاندثار؛ ففي محافظة الإحساء على سبيل المثال أسهمت عمليات الزحف العمراني على الأراضي الزراعية في تقليص نسبة المساحات الخضراء، وتأثرت واحات الهفوف والمبرز ومزارع النخيل؛ حيث التحمت المدينتان وتحولت الأراضي الزراعية الواقعة بينهما إلى مناطق صغيرة مهددة بالزوال.

أما في مدينة بريدة فقد تقلصت المساحات الزراعية خلال العقود الماضية نتيجة عمليات الزحف العمراني؛ حيث زاد النمو العمراني بنسبة 50% وفقدت المدينة ما يعادل أكثر من 2 كيلو متر مربع من المساحات الزراعية التي كانت قبل اقتصاد النفط رافدا هاما لاقتصاد مستدام، في حين تقلصت مساحة الأراضي الزراعية في مدينة عنيزة بما يعادل 3 كيلو متر مربع، وفي منطقة الباحة ظهرت العديد من الامتدادات العمرانية العشوائية على حساب المناطق الخضراء والغابات، وبدأت التجمعات العمرانية الصغيرة تلتحم مع بعضها البعض وتنمو المخططات السكنية الحديثة مهددة البيئة الطبيعية في المنطقة.

لقد أشار الهدف الاستراتيجي السادس لوزارة الاقتصاد والتخطيط الى «تفعيل البعد البيئي باعتباره أحد ركائز التنمية المستدامة»، كما أشار الهدف الاستراتيجي السادس لوزارة البيئة والمياه والزراعة إلى «ضرورة تنمية المنتزهات الوطنية ورفع معدل مساحتها للفرد». وفي ضوء توجهات الرؤية الوطنية 2030 بدت الحاجة إلى تنسيق جهود الوزارات المعنية للربط بين هذه الأهداف ضمن إطار استراتيجي يدعم النمو الذكي في المدن السعودية ويحافظ على المساحات الخضراء داخل حدود المدن وأطرافها، كرافد يدعم البيئة الطبيعية ويتماشى مع أهداف التنمية المستدامة.

ويمكن الاستفادة من مبادئ النمو الذكي للحفاظ على المناطق الزراعية في المدن من خلال دعم استعمالات الأراضي المختلطة، وتحديد مناطق حماية للتنمية، وتوسيع خيارات النمو الرأسي، وتطوير بدائل متنوعة للإسكان تدعم السكن متعدد الأسر، وخلق أنظمة نقل متعددة، والحفاظ على المناطق المفتوحة، ودعم المشاركة المجتمعية، وتوجيه التنمية نحو المناطق القائمة مثل تأهيل أواسط المدن القديمة أو الأحياء المتدهورة عمرانيا وتحسين مستوى الأحياء السكنية القائمة.

وأخيرا، استشراف مستقبل «السعودية الخضراء» من خلال التخطيط لتكامل البيئة الطبيعية والزراعية مع محيطها العمراني واستثمارها من منطق دعم صناعة السياحة، واستدامة الموارد، وحماية البيئة للأجيال القادمة.

https://makkahnewspaper.com/article/1551029

المرفقات
المرفق الحجم
النص الأصلي 254.24 كيلوبايت