هيئات ومكاتب استراتيجية لتطوير المدن السعودية

هيئات ومكاتب استراتيجية لتطوير المدن السعودية

تخطو المملكة العربية السعودية اليوم خطوات متسارعة نحو تفعيل واستغلال الموارد الكامنة في المدن وتطوير المناطق الواعدة، وصولا لتحقيق التنمية الإقليمية المتوازنة. يأتي ذلك في ظل إطلاق سمو ولي العهد - حفظه الله - سلسلة من القرارات لتطوير مناطق الباحة والجوف وجازان من خلال مكاتب استراتيجية تتحول فيما بعد إلى هيئات لتطوير المدن وبشكل يتماشى مع توجهات الرؤية الوطنية في تحقيق اقتصاد مزدهر، ومجتمع حيوي، ووطن طموح، وسوف تركز مكاتب تحقيق الرؤية في المرحلة الأولى على تعظيم الاستفادة من الموارد الذاتية في تلك المدن، وخلق مناطق نمو جديدة تحقق التنمية الإقليمية المتوازنة.

لقد شهدت العقود الماضية نموا عمرانيا متزايدا تنامت معه الهجرة من المدن الصغيرة والأرياف إلى المدن الكبرى، وفي تلك الفترة أكدت الاستراتيجية العمرانية الوطنية (2000) على دور محاور التنمية الإقليمية بين المدن الكبرى في تطوير المدن الصغيرة والقرى من خلال الاستفادة من شبكات الطرق الإقليمية كأقطاب تنموية بما يحقق التوازن في التنمية بين الريف والحضر ويقلل الهجرة السكانية إلى المدن الكبرى. ومع ذلك، لم تقترن هذه الخطة بآليات تنفيذية أو مؤشرات لقياس مدى تحقيق المستهدفات بحيث تربط بين مستويات التخطيط في إطار تكاملي، وهكذا، تمركزت العديد من الأنشطة الحيوية والخدمات ومراكز الأعمال في بعض المدن لتجتذب هجرة سكانية متتابعة ولتعاني هذه المدن فيما بعد من إشكاليات حضرية في الإسكان، والنقل، والتنافس الوظيفي، في حين بقت المرافق والخدمات التقليدية في المدن الصغيرة دون خلق قاعدة اقتصادية لتنميها وهو ما أسهم في هجرة سكانها نحو المدن الكبرى.

وعلى مدار أربعة عقود استقطبت المدن الكبرى كالرياض، ومكة المكرمة، والدمام تدفقات الهجرة السكانية من المدن الصغيرة والقرى، وأعقب ذلك توسع عمراني سريع لمواكبة الطلب المتنامي على قطاع الإسكان، والبنية التحتية، والخدمات، ومراكز الأعمال، واستجابة لذلك، ركزت معظم السياسات العمرانية على البعد المحلي للمدينة لتأتي بحلول على مستوى عمراني ضيق بعيدة كل البعد عن استيعاب الموارد الكامنة في المدن الصغيرة والإمكانات المتاحة في المناطق الواعدة. بعبارة أوضح، جاءت هذه السياسات في ظل نقص الكوادر البشرية المؤهلة في مجال التخطيط العمراني، وتضارب المسؤوليات، وضعف التنسيق بين إدارات التخطيط، وعدم وجود إطار تكاملي بين مستويات التخطيط المختلفة كالتخطيط الوطني، والإقليمي، والمحلي.

في الوقت الحاضر، تشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء إلى أن التمركز السكاني في المدن الكبرى زاد على حساب الريف والمدن الصغيرة، حيث وصلت نسبه التحضر في المملكة الى 83% وارتفع عدد سكان المملكة من 7,009,466 في عام 1974 إلى 35,013,414 نسمة في منتصف عام 2020 كما أن معدلات النمو السكاني في المدن الكبرى تنامت على حساب المدن الصغيرة، حيث استحوذت مدن الرياض، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة، والدمام على النصيب الأكبر من السكان بما نسبته أكثر 50% من إجمالي سكان المملكة، واستحوذت منطقة الرياض، ومكة المكرمة، والمنطقة الشرقية على 69% من إجمالي الهجرة الداخلية بين المناطق.

وتأسيسا لما تقدم، يأتي دور هيئات المدن في تنمية المدن الواعدة واستغلال ثرواتها واستثمارها بشكل يحقق عوائد إيجابية تنعكس على المجتمع المحلي وتعزز من تنافسيتها في السلم الحضري، ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال دعم الكوادر البشرية في مجال التخطيط العمراني لتطوير بنية تحتية للمدن تتماشى مع الموارد الذاتية سواء كانت صناعية أو سياحية، أو بيئية وبشكل يتكامل مع دور المدينة في سياقها الإقليمي والوطني وصولا لمستقبل واعد للمدن السعودية.

المرفقات
المرفق الحجم
النص الأصلي 254.47 كيلوبايت