احتفالات وعقود شراكة وعطور فرنسية!؟

احتفالات وعقود شراكة وعطور فرنسية!؟

خرج أحدهم من قاعة مليئة بالضيوف مرتديا ملابس رسمية، وارتسمت على محياه ابتسامة الثقة؛ المكان يلفه البهجة ونشوة الانتصار.

كاميرات التصوير متواجدة في كل زاوية، والضيوف يصفقون بحرارة مع كل جملة أو عبارة رنانة يطلقها المدير. أستمع وأنا في الخارج إلى صوت لحن دلال القهوة وهي تضرب بالفناجين محدثة نغمة موسيقية ممزوجة برائحة البن العربي الأصيل. وأرى مجموعة من الشباب الأنيق يرتدون ملابس موحدة ويصطفون كأسنان المشط، يطوفون على الضيوف بحبات التمر الغارقة في بحر الشوكولاتة البيضاء والتي يتم التقاطها بأعواد خشبية أنيقة.
 لا أخفيكم فقد خالجني شعور نشوة المكان والجوع في آن واحد؛ ولا أعرف ماذا يحدث في الداخل؟ حاولت أن أسترق النظر قليلا فرأيت القنوات الفضائية وهي تتسابق لأخذ التصاريح ويتحدث فيها المسؤول بثقة ويقف على جانبه أحد المساعدين مبتسما ليزف بشرى إنجازات سوف تتحقق في المستقبل القريب، ويعيد التذكير أن ما تحقق اليوم ما هو إلا نتيجة الإدارة الحكيمة والشغوفة وتعاون جميع الموظفين.

سألت هذا الشاب الأنيق وأنا في الخارج ماذا يحدث في الداخل؟ فالمكان تفوح منه رائحة البخور الكمبودي والعطور الفرنسية الفاخرة فأي إدارة حكيمة يقصد وعن أي شغف وعمل دؤوب يتحدث عنه هذا المسؤول؟ فقال الشاب بامتعاض وهو في قمة دهشته ألا تعرف! إنه حدث تاريخي فالآن تحديدا تجرى مراسم توقيع عقد شراكة بين مؤسستنا وإحدى الشركات الرائدة في المجال، ويتم تغطية الحفل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وبالتعاون مع أحد المشاهير الذي تكفل بالتسويق بسعر خاص. ويضيف الشاب الوسيم أن هذه الشراكة سوف تنعكس إيجابا على القطاع ككل وتوفر فرصا تخدم جميع الأطراف. اليوم هو يوم التكريم المجيد لجميع من شارك في هذا الإنجاز بمن فيهم المدير الذي سوف يكرم أيضا من قبل الموظفين، فشكرا للإدارة الشغوفة!

واعجباه! إنه يوم تاريخي إذن، حيث يتبادل الضيفان كتابا جلديا بعد التوقيع عليه ثم يتقبلان التهاني والصور التذكارية والدروع باهظة الثمن وسط تصفيق لفيف من الحضور. في الحقيقة، لطالما راودني إحساس الرغبة في معرفة محتويات هذا الكتاب الجلدي الأنيق؛ وأعتقد أنه يتضمن بنود الاتفاق والعوائد المكتسبة للطرفين، وربما يكون عبارة عن صفحات بيضاء للتوقيع شكليا لزوم الظهور الإعلامي.

أنا لست ضد الاحتفالات الحقيقية أو توقيع العقود فهي شريعة المتعاقدين، ولكنني أتساءل دوما كيف يتم تنفيذ عقود الشراكة؟ وهل هي إلزامية للطرفين أم اختيارية؟ وما هي آلياتها؟ وما هي الشروط الجزائية في حال عدم التنفيذ؟ وإلى من يحتكم الطرفان في حال الإخلال بشروط العقد أو عدم تنفيذ بعض بنود الشراكة؟ وقبل ذلك كله لم كل هذا التكلف الإعلامي والتغني بإنجازات لم تتحقق على أرض الواقع؟ إن توقيع عقود الشراكة الحقيقية تعد عتبة البداية وليست النهاية؛ فالاحتفال الحقيقي يكون بالإنجاز والإنجاز فقط أي عندما تتحقق أهداف المؤسسة وتتخذ موضع التنفيذ ليجني ثمارها المجتمع.

عذرا لم أشاهد من هذا الحفل ما ينبئ عن إدارة حكيمة أو شغوفة؛ بل مجرد دعاية وتكلف غير محمود وبوفيه مفتوح وبخور وعطور فرنسية. في الختام، بقي أن أخبركم أنني لم أتناول وجبه الإفطار في ذلك اليوم وعليه فقد تسللت خلسة بين ضيوف الحفل، ونجحت أخيرا في أخذ قطعة كبيرة من الكيك المحشوة بكريمة البندق الفاخر، وثلاث حبات من البيتي فور الفرنسي بنكهات مختلفة، وملأت أحد الأكواب الورقية الكبيرة بالقهوة العربية على الآخر، ثم غادرت المكان سريعا قبل أن يكتشفني أحد. حقا فالفرصة لا تفوت وبالعافية علي!

https://makkahnewspaper.com/article/1546536