خدمات استشارية أجنبية لمعالجة قضايا محلية!؟

خدمات استشارية أجنبية لمعالجة قضايا محلية!؟

يستعين عدد من المؤسسات المخولة بالتخطيط العمراني بالخبرات الأجنبية، وذلك بالتعاقد مع المكاتب الاستشارية لأداء بعض المهام المتعلقة بإجراء البحوث أو التقارير والدراسات الفنية والميدانية، لغرض تطوير السياسات والمعايير العمرانية أو تحسين البيئة الحضرية.

وينفق عدد من هذه الجهات ميزانيات ضخمة لإعداد هذه الدراسات على الرغم من وجود كوادر مؤهلة وإدارات بحثية في هياكلها الإدارية.

 تستعين هذه الجهات بالمستشارين أو المخططين الأجانب، لإنتاج دراسات استشارية أو تصاميم يندر أن تتوافق مع المجتمع السعودي وتعكس واقعنا الاجتماعي والاقتصادي.

ويقتصر دور المخطط العمراني أو الخبير المحلي بالإشراف عن بعد أو متابعة الجوانب الإدارية وتوقيع التقارير الفنية التي تعد من قبل تلك المكاتب العالمية.

وهكذا بات التخطيط العمراني تتقاذفه أمواج الاجتهاد والتنظير، كما هي بعض التقارير والدراسات العمرانية التي أصبحت بمثابة مجلدات فنية ملونة من الخارج وخاوية من الداخل ولا يمكن أن تتخذ حيز التنفيذ.

في الواقع إن الكثير من هذه التقارير والدراسات لا تستلزم الاستعانة بمراكز خبرات عالمية؛ ومع ذلك نطالع بين الحين والآخر تقارير فنية وبحوثا مليئة بالرسومات البيانية والجداول التوضيحية والصور الملونة.

هذه التقارير تطبع باستخدام أفخر أنواع الأحبار ومنتجات الورق المصقول؛ ولكنها تكتب بأسلوب ركيك لا يعكس أو يعالج القضايا العمرانية؛ فضلا على أنها مليئة بالأخطاء الإملائية واللغوية نتيجة الترجمة غير الدقيقة.

إن الاستعانة بالخبرات الأجنبية والمكاتب الدولية تؤثر سلبا على أداء المؤسسات المحلية، وخاصة على المدى الطويل، ولعلي ألخصها في 5 جوانب، وهي: أولا، عدم توطين العمل البحثي داخل المؤسسات الحكومية سواء من خلال بناء قواعد بيانات ذاتية أو بالاستعانة بالخبرات المحلية، وهو ما لا ينسجم مع أهداف برنامج تنمية القدرات الوطنية المنبثق من الرؤية الوطنية 2030.

ثانيا، الافتقار إلى مبدأ التقييم والمتابعة والتحديث (الديمومة)، حيث ينتهي عمل المستشار الأجنبي بمجرد تسليم التقرير النهائي، وهو ما يعني عدم جدوى الدراسة مع التقادم الزمني.

ثالثا، تعامل المكاتب الأجنبية مع بيانات ذات بعد استراتيجي وطابع حساس يستلزم المحافظة على سريته، وهو ما ينتفي لعدم وجود ضمانات كافية لمؤسسات بحثية تقع مقراتها خارج حدود السعودية.

رابعا، تعطيل دور الكوادر الفنية داخل تلك المؤسسات وبالتالي ضعف خبراتها على المدى الطويل.

خامسا، وهو الأهم ويتمثل بافتقار معظم هذه التقارير للبعد المحلي في التعامل مع قضايا التخطيط والتنمية العمرانية، فغالبا ما تكون الحلول أو التوصيات مثالية وبعيدة عن الواقع ولا تعكس احتياجات المجتمع.

ولعلي أعيد تذكير هذه الجهات التي ما فتئت تستعين بالخبرات الأجنبية، بالأمر السامي الذي ألزم الجهات الحكومية بالتعاقد مع ذوي الخبرة من السعوديين والمكاتب الاستشارية والشركات الوطنية عند رغبتها في التعاقد للحصول على خدمات استشارية، حيث أكد الأمر السامي على ألا تتعاقد الجهات الحكومية مع المكاتب والشركات الأجنبية لتقديم الخدمات الاستشارية إلا في (أضيق الحدود) وفي الحالات التي لا تتوافر فيها خبرات وطنية لتقديم الخدمات المطلوبة.

وبناء على ما تقدم، فقد باتت الحاجة ماسة إلى توطين العمل البحثي والاستشاري بالاستعانة بالخبرات والكفاءات من الكوادر المحلية، سواء في الجامعات السعودية أو مراكز الأبحاث المحلية. ملخص القول، إن الاستعانة بالكوادر المحلية سوف تعزز من إنتاج بحوث ودراسات تعكس احتياجات المجتمع المحلي وتعبر عن شخصيته؛ كما أنها بمثابة اختبار وتحد حقيقي لقياس مدى كفاءة خبراتنا المحلية ودرجة إنتاجيتها.
https://makkahnewspaper.com/article/1546010

المرفقات
المرفق الحجم
النص الأصلي 0 بايت