تحقيق صحفي: مدننا قوالب مكررة ومكعبات خرسانية غير صديقة للإنسان

انسنة المدن

في مدن صارت أشبه بقوالب ومكعبات أسمنيتة بدا تحويلها إلى مدن حيوية مهيأة للإنسان عبر رفع مؤشرات جودتها أمراً لازما، وهو ما تنبهت إليه رؤية المملكة 2030 التي وضعت هذا التحول ضمن إستراتيجيتها، فيما أطلقت وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان مبادرة تهدف إلى دعم المدن غير المهيأة إنسانيا، وتأهيلها وتهيئتها عبر إنشاء مناطق مفتوحة مثل الساحات البلدية والملاعب والحدائق والمسطحات خضراء، وإنشاء شبكة من ممرات المشاة، وتطوير الأماكن الترفيهية للاحتفالات والمهرجانات وللأعياد والمناسبات لخلق بيئة صحية ومريحة وصديقة للبيئة، مستهدفة جميع شرائح وفئات المجتمع في جميع مناطق المملكة.

تساهم المبادرة في تحقيق هدف الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة في المدن عن طريق توفير بيئة صحية مستدامة، تنعكس في تحسين صحة ورفاهية السكان وتعزيز العلاقات الجيدة داخل المجتمع، وتعزيز البعد الإنساني وتقوية الروابط الاجتماعية، عن طريق إنشاء وتطوير الحدائق والساحات وممرات المشاة والملاعب والمسطحات الخضراء، ومن مخرجات المبادرة إنشاء مرافق عامة وحدائق وملاعب عامة وساحات وممرات مشاة ومسطحات خضراء.

بيئات جامدة

يشير رئيس قسم التخطيط العمراني، أستاذ الإسكان المشارك في جامعة الملك سعود، الدكتور وليد الزامل إلى أن «أنسنة المدن» مفهوم شائع محلياً، وهو جزء من مفهوم أكثر شمولية يعنى بـ«استدامة المدن».

ويرتبط أنسنة المدن غالباً بإصلاح الجانب المادي في المدينة (التصميم العمراني) ومعالجة السلبيات المتراكمة من إهمال البعد الإنساني في المدن، حيث ساهم التطور في تقنيات البناء، وأنظمة النقل والمواصلات، والبنية التحتية في تشكيل بيئة مادية للمدينة الحديثة لا تترجم المفهوم الواسع للاحتياج الإنساني.

 أصبحت المدينة بمثابة إطار مادي يتكون من مبان أسمنتية وشوارع وجسور وأنفاق وطرق سريعة تهدف إلى استيعاب النمو السكاني المتزايد، وتوفير الخدمات الأساسية بغض النظر عن مستويات تفاعل هذه البيئة مع الإنسان أو حتى ملائمتها لاحتياجاته، إنها بيئات عمرانية تتسم بالجمود ولا تعكس بالضرورة الأهداف التي يسعى لها التخطيط العمراني في تنمية المجتمع والارتقاء بأساليب المعيشة، وهكذا شُيد عدد من الأحياء السكنية وفق نمط عمراني رتيب يتكون من طرق متعامدة، ووحدات سكنية وبلوكات ومداخل تخترقها المركبات من جميع الاتجاهات.. إنها قوالب مادية مكررة ومكعبات خرسانية غير صديقة للإنسان، ولا تراعي التباين المكاني أو الاجتماعي أو الاقتصادي.

إهمال واضح

يضيف الزامل «إهمال البعد الإنساني في تخطيط المدن يبدو جلياً من قلة المساحات العامة والنشاطات الحيوية داخل الأحياء السكنية وغياب دور المجالس البلدية والمشاركة المجتمعية، كما أصبحت أواسط المدن بيئات طاردة للسكان نتيجة تدهور المباني وانتشار المستودعات ومساكن العمال بشكل أثر سلباً على البيئة والمجتمع والصحة».

ويتابع «فكرة أنسنة المدن يفترض أن تنبثق من إدراك احتياجات المجتمع وثقافته واقتصاداته ومواءمتها، وإضفاء الطابع الإنساني للمدينة يجب ألا يختزل في توفير مسارات للمشي وفراغات عامة ومساحات خضراء أو حتى تجميل المدينة برتوش عمرانية كما يعتقد البعض، بل (مواءمة المكان لخدمة الإنسان) من خلال فهم عميق للاحتياج الإنساني أولاً، ثم تهيئة كافة الظروف الحياتية لتنمية الإنسان ثانياً، وصولاً لتحقيق أعلى مستويات الراحة والرضا المجتمعي، لذا باتت الحاجة ملحة اليوم إلى تطوير أحياء سكنية تعكس المشاركة الفعلية للمجتمع وتدعم الاقتصاد المحلي وتتماشى مع البيئة».

تطوير القائمة

يعتقد الزامل أن «الخطوة الأولى لأنسنة المدن يمكن أن تنطلق من تطوير خطة تأخذ في الاعتبار الارتقاء بالأحياء السكنية القائمة، وتطوير تشريعات عمرانية للأحياء السكنية الجديدة، مع ضرورة أن تتبنى آليات عملية وإطار حوكمة يعزز الشفافية والمساءلة ويدعم مشاركة السكان في عملية التخطيط كمؤشر لتقييم واقع الأحياء السكنية من خلال تفعيل دور المجالس البلدية ومجالس الأحياء في مبادرة أنسنة المدن».

https://www.alwatan.com.sa/a/1085992