سوق الإسكان وجائحة كوفيد 19؟!

 سوق الإسكان وجائحة كوفيد 19؟!

إن سوق الإسكان يتسم بطبيعته الديناميكية ويتأثر بالتقلبات الاقتصادية والوضع الديموغرافي، ومعدلات نمو الأسر الجديدة، كما يتأثر بسوق الأراضي الذي يخضع لعدد من العوامل، منها أنظمة البناء وكثافة ومساحة التطوير (zoning) وحجم صناعة البناء والتمويل والتشريعات التي قد تكون مقيدة أو محفزة. وهكذا فإن سياسات الإسكان يفترض أن تترجم التباين المكاني، بحيث تنسجم مع طبيعة وخصائص السوق الإسكاني في كل مدينة.
إن قطاع الإسكان يتداخل مع عدد من القطاعات الحيوية، كالتطوير العقاري وصناعة البناء والمقاولات والتمويل العقاري. كما يساهم قطاع الإسكان في خلق فرص استثمارية لأصحاب الأعمال والمستثمرين، نظرا لقلة المخاطرة والطلب المتزايد على الوحدات السكنية، لا سيما مع النمو السكاني والتباين في معدلات الهجرة بين المدن.
 لقد أثرت جائحة كوفيد 19 على القطاع الاقتصادي في جميع دول العالم، ففي الولايات المتحدة الأمريكية فقد أكثر من 22.4 مليون نسمة وظائفهم في أول شهرين من بداية الجائحة، وتوقع عدد من العقاريين انهيار سوق الإسكان. واستجابة لظروف الجائحة تغيرت أنماط العمل لتتوافق مع الإجراءات الاحترازية وأصبح العمل عن بعد وسيلة معتمدة في عدد من الشركات والمؤسسات التجارية.

لقد ألقت هذه الجائحة بظلالها على المدن وسوق الإسكان في الولايات المتحدة الأمريكية، وبات الموظفون يعملون من مساكنهم عبر تقنيات التواصل عن بعد دون الحاجة للانتقال الجسدي إلى أماكن عملهم؛ وفضل عدد منهم الإقامة في مدن ذات عقارات سكنية رخيصة وبعيدة عن أماكن العمل، وهو ما ساهم لاحقا في ارتفاع الطلب على هذا النوع من المساكن وبالتالي ارتفاع أسعار العقارات السكنية في تلك المدن.

أما في السعودية فقد ساهمت الجائحة في غياب عامل المسافة بين المسكن ومكان العمل، حيث أصبح عدد من الموظفين يعملون من منازلهم في عدد من القطاعات؛ وهو ما شجع بعض الأسر التي تستأجر مساكنها في تغيير مواقع سكنها إلى مساكن أرخص، سواء على أطراف المدن أو في مدن صغيرة، في حين فضل الآخرون تعزيز ميزانية التوفير لتملك مسكن جديد عبر توفير تكاليف النقل من وإلى العمل.

إن سياسات الإسكان المركزية غالبا ما تتعامل مع الطلب الإسكاني وفقا لمعطيات ثابتة، بغض النظر عن المحددات المحلية كالقدرة الشرائية للمستفيد وشروط وأحكام الجهة التمويلية، والظروف الإقليمية وطبيعة المدن وخصائصها السكانية ومعدلات الدخل وتقلبات أسعار الأراضي.

مقصد القول، يجب أن تتباين السياسات الإسكانية وفقا لطبيعة الاحتياج السكني وسوق العرض والطلب، حيث تتولى كل مدينة تطوير التشريعات العمرانية وبرامج التمويل الإسكاني التي تتسم عادة بالمرونة بما يتلاءم مع احتياجات السكان والمتغيرات الاقتصادية وضمن إطار السوق الإسكاني العادل.

وأخيرا فإن تحسين السوق الإسكاني يمكن أن ينطلق من خلال تطوير التشريعات والأنظمة العمرانية، بحيث تكون مرنة لتستجيب للتباين في خصائص المدن والسكان لتحقيق متوسط سعر مسكن ميسر affordable house. مثل هذه السياسات الإسكانية تدعم إيجاد آلية واضحة تعزز من مشاركة المجتمع المحلي في إدارة مدينتهم لتضمن مستويات عالية من الرضا المجتمعي. إنها سياسات تتسم باللامركزية لتقدم حلولا أكثر مرونة تبعا لاحتياجات كل مدينة وظروفها، سواء من خلال فرض تشريعات لنسبة التطوير السكني للمساكن الميسرة، أو رفع الكثافات السكنية في المناطق القريبة من النقل العام (TOD)، أو وضع اشتراطات ملزمة لتقسيمات الأراضي السكنية تستجيب لكل احتياجات الأسر وتنسجم مع حدود القدرة الاقتصادية وصولا إلى سوق إسكان عادل للجميع.

https://makkahnewspaper.com/article/1544426/

المرفقات
المرفق الحجم
النص الأصلي 0 بايت