هل إغلاق المحلات وقت الصلاة مشروع؟

*الحديث عن إغلاق المحلات التجارية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والقرون المفضلة*  

*أولا: هذا هو فعل النبي عليه السلام وهدي خلفائه وصحابته من بعده، وقد قال في حقهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) رواه الترمذي وغيره، وقال: (أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهبوا أتى أمتي ما توعد) رواه مسلم، 

*بل زمن النبي عليه السلام لم تكن الأسواق تفتح في المدينة بعد الأذان تعظيماً لهذه الشعيرة* ، فقد روى ابن مردويه في "تفسيره" عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال: ( *رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكرالله* ): كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون فإذا سمعوا النداء بالصلاة *ألقوا ما بأيديهم وقاموا إلى المساجد فصلوا*.
ورواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه، ورواية علي عن ابن عباس من أصح نسخ التفاسير .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن ابن مسعود: *أنه رأى ناساً من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا أمتعتهم وقاموا إلى الصلاة* فقال : هؤلاء الذين قال الله: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) .

*وكان هديه عليه الصلاة والسلام تنبيه الناس في الطريق وإقامتهم إلى الصلاة، وأن لا يكلهم إلى إيمانهم وصلاحهم، ولا إلى سماعهم النداء كما جاء عن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه و سلم لصلاة الصبح فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة أو حركه برجله*. رواه أبو داود

*وكان عمل الصحابة رضي الله عنهم عدم البيع وقت الصلاة، بل الانصراف من السوق وتركه إلى المساجد* فروى أحمد بسند جيد عن زيد بن خالد الجهني قال: كنا نصلى مع النبي صلى الله عليه و سلم المغرب وننصرف إلى السوق .
يعني أنهم قطعوا الضرب في الأسواق عصراً بدخول وقت المغرب ثم انصرفوا إلى سوقهم مرة أخرى .

وكان الأمر بذلك والطواف على الناس وتنبيههم في أول الأمر في المدينة وفي آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وفي أسفاره أيضاً، كما في حجة الوداع، كما رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة عن مسلم ِ بن يَسار عن أَبيه، قَالَ: خرجت مع مولاي فضالة بن هلال في حجة الوداع فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الصلاة الصلاة.

وقد جاء في أول الأمر ما رواه ابن خزيمة في " صحيحه" والطبراني عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: *كانت الصلاة إذا حضرت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سعى رجل إلى الطريق، فنادى : الصلاة الصلاة* .

*ثانياً : كان هذا العمل في زمن الخلفاء الراشدين* :
ينبهون على الصلوات في الأسواق والطرقات ويأمرونهم بذلك :
فقد اشتهر هذا في فعل الخلفاء عمر وعلي يقومون به بأنفسهم لا ينيبون عليه أحداً، قال أبو زيد المجاجي في شرحه على "مختصر ابن أبي جمرة": ذكر غير واحد ممن ألف في السير أن عمر بن الخطاب وعلياً كانا من عادتهما إذا طلع الفجر خرجا يوقظان الناس لصلاة الصبح.

فعن ثابت البناني عن أبي رافع: *كان عمر إذا خرج يوقظ الناس للصلاة صلاة الفجر *.
وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى الزهري خرج عمر يوقظ الناس الصلاة الصلاة وكان يفعل ذلك.
*وإذا كان هذا حال النائم في زمنه، فكيف باليقظان يبيع ويشتري ويفترش الطرقات، وهل يُظن أن عمر يقيم النائم فيقول: قم صل، ويدع البائع اليقظان فلا يأمره، هذا محال، إلا في نظر بعيد الخطو في الجهل* .

*بل قد كان الأعرابي يقدم المدينة ومعه الجلب ليبيعه في سوق المدينة وقت الصلاة ولا يجد الناس في السوق*، فيلزم الصلاة معهم ويَخرج بعدها إلى السوق، كما رواه ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" عن أصبغ بن نُباتة قال: خرجت أنا و أبي من ذِرْوَد (وهي جبل من أطراف البادية) حتى ننتهي إلى المدينة في غلس والناس في الصلاة فانصرف الناس من صلاتهم فخرج الناس على أسواقهم ودفع إلينا رجل معه دِرة له فقال: يا أعرابي أتبيع ؟ فلم أزل أساوم به حتى أرضاه على ثمن وإذا هو عمر بن الخطاب فجعل يطوف في السوق يأمرهم بتقوى الله عز و جل يقبل فيها ويدبر .

*وأما عن علي بن أبي طالب* :
فقد صح عن ابن الحنفية عن الحسن بن علي: أن علياً إذا خرج من باب بيته للصلاة نادى أيها الناس الصلاة الصلاة كذلك كان يصنع في كل يوم يخرج ومعه دِرته يوقظ الناس.
*الدرة لم تُذكر هنا إلا لمناسبة تعزير المتخلف عن أمره بها* .

*ثالثاً : كان هذا العمل ماضياً في زمن بني أمية في نصف القرن الأول والقرن الثاني*:
 يحكيه سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب وقد توفي في خلافة هشام على المدينة عام (106هـ) كما وراه ابن جرير الطبري في "تفسيره" عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله أنه نظر إلى قوم من السوق، قاموا وتركوا بياعاتهم إلى الصلاة، فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه (لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) .

*رابعاً : وكان هذا العمل مستفيضاً لدى فقهاء التابعين وأجلتهم*، لا تُقام الأسواق والصلاة حاضرة في الحواضر، وإذا قدم أهل البوادي أخذوا حُكم الحواضر .
وقد ثبت هذا عن غير واحد ، كأيوب بن أبي تميمة السختياني  رواه البيهقي في الشعب عن ضمرة عن ابن شوذب قال : كان أيوب يؤم أهل مسجده –يعني في البصرة- و يقول هو للناس: الصلاة الصلاة.
يعني يطوف عليهم مذكراً لهم .
*وروي عن الحسن: والله لقد كانوا يتبايعون في الأسواق فإذا حضر حق من حقوق الله بدأوا بحق الله حتى يقضوه ثم عادوا إلى تجارتهم*.

*خامساً: على هذا أجلة الأئمة من أتباع التابعين* :
ففي "الحلية" لأبي نعيم عن سفيان الثوري: كانوا يتبايعون ولا يدعون الصلوات المكتوبات في الجماعة.
*وكان المفسرون من التابعين على تباين بلدانهم، يحملون قول الله تعالى: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) على ترك البيع والشراء والانصراف للصلوات* .
في مكة  *عطاء بن أبي رباح* 
وفي البصرة :رفيع بن مهران أبو العالية وأيوب والحسن وقتادة ومطر الوراق والربيع بن أنس*.
وفي الكوفة :*السدي والثوري وغيرهما* .
وفي خراسان :*مقاتل بن حيان والضحاك بن مخلد* .

أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدوا، ولا تكونوا كالذين قال الله عنهم : (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً).

*سادساً: مضى هذا عملاً وهدياً متبعاً في ممالك المسلمين وحواضر الإسلام، على اختلاف الآفاق، وتباين القرون.
قال أبو طالب المكي (ت:386) في "قوت القلوب" (2/437) ذاكراً حال الأسواق السالفين: "إذا سمعوا الأذان ابتدروا المساجد، وكانت الأسواق تخلوا من التجار"

وبقي معمولاً به في جزيرة العرب في الدولة السعودية منذ نشأتها، كما ذكره أحمد معنينو السلوي، في كتابه "الرحلة الحجازية" عام 1348 هـ، حيث ذكر أن الملك عبد العزيز أعاد الناس إلى الطريق القويم: فعندما ينادي حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، يظهر بالأسواق رجال بيدهم عصي يتجولون بالأسواق منادين: الصلاة الصلاة، ويترك أصحاب الدكاكين أمتعتهم وأموالهم والأماكن مفتوحة، ولا أحد يستطيع أن يمد يده إلى الأمتعة والمال.
والأمر بذلك إلى اليوم يؤمر به ويعمل، وأكثر الناس يدعون متاجرهم رغبة لا رهبة .

*وما زال البشر على اختلاف أديانهم وبلدانهم يَسُنون لأنفسهم قوانين في البيع والشراء في اليوم والليلة، لمصالح الناس في النوم، حتى لا تضطرب الحياة، من غير نكير، فإذا كان هذا أمراً يُعاقب عليه ولي الأمر لمصلحة النوم ونحوه، والشرع أوقظ النائم لأجل الصلاة وهو يغط في نومه، عُلم أن الأمر بإغلاق المتاجر لمصلحة الصلاة آكد، في حق ولي الأمر، وحق التاجر.

*وأخيراً : أن كثيراً ممن يُسَوِّغ فتح المتاجر وقت الصلاة، يورد مصالحَ متوهمة، كحاجة الناس المالية والصحية، والصلوات لا تأخذ إلا دقائق معدودة في كل وقت، وما سمع الناس على مر العصور أن تاجراً خسر وأفلس لإغلاق متجره لأداء صلاته والناس يُغلقون المتاجر لأجل مصالح الإنسان كالنوم والطعام ونحوهما ليلاً ونهاراً في اليوم الواحد وقتاً طويلاً يجتمع فيه وقت صلوات أسبوع تام وزيادة، وما تحدثوا عن مواضع الربح والخسارة في طلب صحة الأبدان واتباع النظام، فكيف بسلامة الدين.
 ولم ير الناس فرداً مات جوعاً على أعتاب المطاعم والمتاجر يطلب الشراب والطعام، والناس منصرفون عن متاجرهم في صلاتهم

منقول