توجيهات لبناء أسئلة مقابلة جيدة في البحث النوعي

أسئلة المقابلة في البحث النوعي
أ.د. راشد بن حسين العبدالكريم
كلية التربية، جامعة الملك سعود
1444 ه
المقابلة من الأساليب الأساسية في جمع البيانات في البحث النوعي. وبقدر جودة الأسئلة في المقابلة يجتمع لدى الباحث بيانات تمكنه من الإجابة عن أسئلة بحثه. إلا أن كثيرا من المشتغلين في البحث النوعي لا يمتلكون مهارات بناء أسئلة المقابلة، مما يجعل البيانات الناتجة عنها قليلة، أو قليلة الفائدة.
يجب أن تساعد أسئلة المقابلة المشارك على استثارة الأفكار لديه، وجلب المعلومات ولو كانت متناثرة أو على شكل أفكار غير مكتملة، لا يستطيع التعبير عنها بوضوح. فربط الأجزاء بعضها ببعض وتوضيح الأفكار مهمة الباحث في النهاية. غالبا المشارك يبخل بالمعلومات، ويريد أن يتخلص من المقابلة، ولا يرى نفسه ملزما بأن يقول كل شيء، أو لا يعرف كيف يستخرج ما لديه. مهمة الباحث أن يستخرج كل ما يمكن استخراجه من المشارك، ومهمته أن يجعل ذلك الأمر يسيرا على المشارك.
في هذا المقال سأحاول أن أسوق عددا من التوجيهات التي تساعد الباحث على إعداد أسئلةِ مقابلة توفر أكبر قدر ممكن من البيانات الثرية التي تسهل له عملية تحليل البيانات، وتساعده على الإجابة عن أسئلة بحثه.
أولا، أفهم سؤال البحث (أو أسئلته) لتتصور بشمول ودقة ما الذي تريد أن تصل إليه من خلال المقابلة. سؤال البحث هو البوصلة التي تحدد اتجاه المقابلة، وتساعد على توليد الأسئلة، وفي نفس الوقت تجعلها مركزة تخلو من التشتت. يجب أن تكون جميع أسئلة المقابلة تدفع بالمشارك للإفصاح عن البيانات التي تساعد الباحث في الإجابة عن أسئلة البحث، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وكل سؤال لا يفيد في هذا الاتجاه يجب أن يبتعد الباحث عن طرحه. فغالبا كل سؤال يطرحه الباحث وهو ليس سؤالا مهما فهو يضيع الوقت من جهة، ومن جهة أخرى قد يصرف المشارك عن ذكر معلومات أهم. لا تشغلك تفصيلات الموضوع، أو أسئلة المقابلة التي تثور في ذهنك أول الأمر عن سؤال البحث الرئيس. فسؤال البحث الرئيس هو الذي يركز أسئلة المقابلة ويجعلها أكثر فاعلية.
ثانيا، إن كان سؤال البحث عاما، فيجب تفصيله إلى أسئلة فرعية، أو تقسيمه على أبعاد أو مجالات، حتى تتضح أسئلة المقابلة التي يمكن طرحها في كل بعد أو مجال. ويستحسن أن يتم ذلك حتى لو لم يكن للبحث أسئلة فرعية. تتضح هذه المجالات عادة من المفهوم الذي يدور حوله السؤال، أو من الإطار النظري والمفاهيمي الذي يقع فيه السؤال. فمثلا عندما يكون سؤال البحث (ما أسباب غياب الطلاب؟)، فالباحث غير الخبير ببناء وطرح أسئلة المقابلة يمكن أن يطرح هذا السؤال مباشرة على المقابلين، ويسجل ما يرده من إجابة، ويكتفي بهذا. وفي هذه الحال فالغالب أن البيانات ستكون شحيحة، ومختصرة. لكن عند التأمل في هذا السؤال يتضح أنه يمكن تقسيم السؤال إلى الأبعاد التالية: (الأسباب المتعلقة بالطالب) و (الأسباب المتعلقة بالأسرة) و (الأسباب المتعلقة بأنظمة المدرسة) والأسباب المتعلقة ببيئة المدرسة)، ويمكن تقسيمها باعتبار آخر إلى (أسباب مباشرة) و (أسباب غير مباشرة)، (أسباب دائمة) و (أسباب طارئة) وغير ذلك. وهذا يرجع إلى الإطار النظري والدراسات السابقة، ويرجع أيضا إلى إبداع الباحث وسعة أفقه في النظر للموضوع.
عند تفريع السؤال إلى هذه المجالات، يمكن للباحث أن يفصّل الأسئلة على هذه المجالات، وربما إلى تفصيلات داخلية في كل مجال. فمثلا المجال المتعلق بالطالب، يمكن أن يقسم إلى (صحي) و (نفسي) و (اجتماعي)، ونحو ذلك. فالتدقيق في النظر لسؤال البحث والتفصيل فيه يساعد على توليد مساحات لأسئلة المقابلة. إلا أن تفريعات الأسئلة قد لا تكون واضحة ومنضبطة بهذا الشكل دائما. لكن المقصود أن يقدم الباحث للمشارك أكبر مساحة ممكنة للحديث، وأن يحيط بموضوع بحثه (سؤال البحث) من كافة الجوانب المتاحة، حتى يستخلص أكبر قدر ممكن من البيانات.
ثالثا، على الباحث أن يبتعد عن الأسئلة ذات الأجوبة المغلقة، التي تكون إجابتها ب (نعم) أو (لا) أو (يوجد) و (لا يوجد)، أو عبارة قصيرة جدا. غالبا ما يلجأ الباحث قليل الخبرة بالمقابلات إلى الأسئلة المباشرة، والتي غالبا ما تكون أجوبتها مغلقة النهاية. مثال ذلك: (هل هناك أسباب لغياب الطلاب؟) أو (هل هناك أسباب نفسية لغياب الطلاب؟)، أو (هل السهر من أسباب الغياب؟). إجابات مثل هذه الأسئلة مفيدة في بعض الأحيان، لكنها غير كافية، وتسبب فقرا في البيانات، ولا تعطي الباحث مجالا لتحليل البيانات واستخراج المعاني والموضوعات منها. وهي من أكثر ما يسبب الإحباط للباحث عند التحليل. قد يكون هذا النوع من الأسئلة مفيدا في بداية المقابلة أو في بعض مراحلها، لكن من الخطأ الاقتصار عليها. يجب أن يحرص الباحث على الأسئلة مفتوحة النهاية، التي تستدرّ المعلومات من المشارك، وتدفعه للحديث. من أمثلة الأسئلة ذات الأجوبة المفتوحة: ما الأشياء التي تدفعك للغياب؟ أعطني أمثلة؟ ماذا تعني ب ...؟ (كلمة أو عبارة ترد في إجابة المشارك)، هل هذا يعني ....؟ هل ترى أن ... سبب للغياب؟ كيف؟ يقال إن (كذا) يدفع بعض الطلاب للغياب، هل توافق؟ لماذا؟ هل ممكن أن تذكر آخر ثلاثة أسباب دعتك للغياب؟ ما أسباب غياب زملائك؟ في رأيك، لو وجد مقهى (حديقة/ مطعم...) في المدرسة وسمح لكم بالجلوس فيه نصف ساعة، هل سيقلل هذا من غيابك؟ أو غياب زملائك؟ مثل هذه الأسئلة تستخرج بيانات لدى المشارك ربما هو لا يدرك أنه يمتلكها، وهي مفيدة في التحليل.

رابعا، على الباحث أن يبتعد عن الأسئلة التي تركز على الجانب المعرفي، أي الأسئلة المتعلقة بالمفاهيم والمعارف في البحث. التركيز على الجانب المعرفي يفترض أن المشارك ملم بموضوع الدراسة مثل الباحث، ويفترض أيضا أنه يستطيع أن يعبر عن آرائه حول الموضوع بنفس قدرة الباحث. وهذا غالبا غير صحيح. فموضوع البحث وتفصيلاته المعرفية غالبا تكون معروفة للباحث المتخصص. بينما لا يفهم منها المشارك إلا الأساسيات، أو ربما لا يفهم منها شيئا، أو، ربما، يفهمها بشكل خاطئ. فمثلا عندما يسال الباحثُ المشاركَ (ما رأيك في التدريس المتمايز؟) أو (هل التدريس المتمايز يطبق في مدرستك؟) أو (هل التدريس المتمايز يزيد من تحصيل الطلاب؟) هذه أسئلة تفترض أن المشارك يعرف (التدريس المتمايز)، ويستطيع أن يعطي رأيا حوله. وهذا غالبا غير صحيح. فكثير من المفاهيم لا يدركها الممارسون بعمق، حتى لو كانوا يطبقونها بشكل أو بآخر. ثم إن المشارك قد لا يستطيع أن يقول للباحث (إنا لا أعرف التدريس المتمايز)، وقد يكون يعرفه لكن ليس بالعمق الكافي أو ليس بدقة، فتكون إجاباته غير متوافقة مع ما في ذهن الباحث. وهذا خطأ يقع فيه كثير من الباحثين، وهو مما يجعل البيانات أيضا فقيرة، وربما مضللة. الحل هو أن لا يقتصر الباحث على مثل هذه الأسئلة المعرفية، بل ربما لا يطرحها أبدا، حتى لا يُشعِر المشاركَ بأنه لا يفهم الموضوع، أو أنه جاهل به. وبدلا من ذلك يلجأ الباحث إلى تفصيلات (التدريس المتمايز) المعرفية والعملية، ويطرح على المشارك أسئلة جزئية وغير مفاهيمية أو مركبة توفر له البيانات اللازمة. فمثلا يطرح السؤال:
• هل ترى أن الطلاب يختلفون في مستوياتهم من حيث الرغبة في التحصيل، ومن حيث القدرات؟
• ما رأيك في مراعاة مستويات الطلاب العقلية وأساليب تعلمهم ورغبتهم في التحصيل أثناء إعداد الدرس وتقديمه؟ (ممكن تعطيني مثالا؟) هل أنت تطبيق هذا؟ لماذا؟
• ماذا عن مراعاة أساليب الطلاب في التعلم، أي طريقتهم في التعامل مع الأنشطة أو الخبرات التي يمرون بها؟
• هل تضع أهداف متدرجة للطلاب (ضمن الهدف العام للدرس) تمايز بين الطلاب بحسب قدراتهم العقلية ومستوياتهم المعرفية ودافعيتهم؟ ممكن تعطيني مثالا؟
• هل تراعي هذه الأشياء في محتوى التدريس؟ في طرق التدريس؟
• عندما تخطط للتدريس بهذه الطريقة المتمايزة، وتطبق ذلك، هل ترى أن الوقت المتاح سيكون كافيا؟
فلاحظ، أن هذه الأسئلة (ولو بشيء من التطوير والتسهيل) سيجيبك عنها تقريبا أي معلم، حتى لو لم يعرف ما هو التدريس المتمايز، لأنها تسأل عن حقيقة وواقع التدريس المتمايز وعن أشياء هو يمارها (أو لا يمارسها)، وليس عن الجوانب المعرفية المفاهيمية فقط. وحتى لو لم يستطع المشارك الإجابة عنها، فيمكن أن تقسمها له وتبسطها على شكل ممارسات أو على شكل فرضيات وأمثلة، ويعطيك رأيه فيها. والباحث بعد ذلك يقوم بإعادة بناء الصورة ليستخلص منها (رؤية) المشارك للتدريس المتمايز من خلال حديثه عن مكوناته وعملياته، وليس فقط عن (مفاهيمه) التي قد لا يكون المعلم محيطا بها. وهذا لا يمنع أن تطرح أسئلة مفاهيمية في أول المقابلة أو في أثنائها لتتعرف على ربط المشارك بين الجوانب العملية والجوانب المفاهيمية في الموضوع. لكن ربما يكون طرحها من البداية صادا للمشارك عن الحديث باسترسال مع الباحث.
خامسا، من المفيد إذا لم تجد تجاوبا من المشارك، بسبب عدم ورود الأفكار لذهنه، أو عدم انطلاقه في الحديث، أن تعرض عليه بعض أجوبه المشاركين الآخرين وأفكارهم، وتطلب منه رأيه فيها أو تعليقه عليها، وهل يوافقهم أم لا؟ فمثلا تقول له: (يرى بعض المشاركين أن التدرج في مستوى الصعوبة فيما يطرحه المعلم يدفع الطلاب على المشاركة)، ما رأيك في هذا الكلام؟ فحتى لو لم يسترسل هذا المشارك في الكلام، فمجرد موافقته أو مخالفته تعد إضافة منه.
هذه بعض المهارات والأساليب التي تساعد الباحث على استدرار البيانات من المقابلين وحفزهم على البوح بأكبر قدر ممكن منها، مما يساعد على توفير قدر كافٍ من البيانات يزود الباحث بمعاني واستنتاجات تمكنه من الإجابة العميقة على أسئلة بحثه، وتبين القيمة الحقيقية للبحث النوعي. المقابلة الجيدة نوع من استمطار الأفكار والمعاني الخام من أذهان المشاركين، ويجب أن لا تكون مثل الاختبار المعرفي لهم.

المرفقات