التفكير الناقد: المدخل إلى التحصين الفردي والمجتمعي

كتاب
الرقاص, د.خالد بن ناهس . 2013
ملخص المنشورات

تقديم الكتاب
ليس الغنى أن تمتلئ جيوبك بالنقود، ولكن أن يمتلئ عقلك بالأفكار. إذا اتفقت معي عزيزي القارئ على هذا المبدأ، فسوف تدرك قيمة هذا العمل العلمي الرصين، للزميل العزيز سعادة الدكتور خالد بن ناهس الرقاص أستاذ علم النفس المشارك بكلية التربية بجامعة الملك سعود بالرياض، ذلك أن المادة الخام للأفكار هي المعلومات التي يتعرض لها العقل طوال الوقت، ومن مختلف المصادر البشرية والتقنية، وبما أن الإناء ينضح بما فيه، إذن فإن العقل حين يستقبل معلومات ويكون لديه القدرة على تنقيتها مما يشوبها من أوجه قصور، وتداخل، وتناقض مع حقائق موثوق فيها، فضلاً عن تقييمها؛ ومن ثم اتخاذ قرار بالسماح لها بالدخول إلى العقل. ومن المفترض أن التفكير الناقد بما يحويه من مهارات فرعية يشكل ذلك الغطاء الواقي للعقل من تسرب الأفكار والمعتقدات غير المنطقية، والتي من شأنها أن تتلف- كالتفاح المعطوب- ما حولها من أفكار. إنه كحارس البناية الذي يتحقق من هوية كل الداخلين إليها حتى يصبح البناء الفكري للإنسان آمنا، ولعل هذا الدور الجوهري للتفكير الناقد هو ما حدا بالباحثين لأن يطلقوا عليه حامي العقل وصديقه الوفي .
ومن الموافقات التي يجب أن نقف أمامها اهتمام أسلافنا العظماء بناة الحضارة العربية الإسلامية التليدة ومشيدي مجدها وإيمانهم بالدور المحوري للتفكير الناقد في بناء الحضارة أنهم أطلقوا اسم النقد (كعملية فكرية) على اسم أغلى الأشياء المادية في هذه الحياة الدنيا الفانية (النقد) كأنهم أرادوا القول: " بأن من ينقدك كأنه يُنقدك". ولا غرابة في ذلك، فالنقد بوصفه الأب الشرعي للإبداع، يطور الإنسان كما يرتقي بالحضارة .
ما سبق ذكره من عناصر، وثمة عناصر أخرى سيرد ذكرها لاحقًا، يدعونا للاهتمام بهذا العمل المتميز الذي يتصدى لقضية محورية ألا وهي تنمية مهارات التفكير الناقد لدى شخصية الإنسان العربي المسلم، والتي نأمل شيوعها؛ لتصبح قادرة على استعادة موقعنا الحضاري بين الأمم ، والنهوض بمجتمعاتنا وبني جلدتنا؛ ولا غرو في ذلك، فالشخصية الناقدة تتميز بالعديد من السمات التي تؤهل صاحبها للتميز الشخصي والمهني والمجتمعي بل والإنساني قاطبة، ومما يدعم ذلك التصور أن الباحثين فيمجال التفكير الناقد يشيرون إلى أن الشخص الذي يفكر بطريقة ناقدة يتصف بأنه:

  • منفتح العقل .
  • لا يناقش شيئا لا يعرف عنه معلومات كافية.
  • يسأل عما لا يعرف .
  • يعرف أن الناس لديهم تصورات مختلفة حول معاني الكلمات نفسها.
  • يسعى لتجنب الأخطاء الاستدلالية العامة الشائعة في أثناء تفكيره.
  • يستخدم مفرداته بدقة لكي يفهمه الآخرون بوضوح .
  • يصدر أحكاما تتسم بالدقة.
  • يقف على جوانب التناقض فيما يقوله الآخرون أو يفعلونه .
  • يتنبأ بما سيحدث في ضوء استقراء مؤشرات الواقع، ويتوصل إلى استنتاجات تتسم بالواقعية حول الأحداث.
  • يميز بين الأفكار السليمة والسقيمة في ضوء عدد من المحكات.
  • لا يتأثر بالعوامل الذاتية في الحكم على الأفكار، فليس المهم من قال، ولكن ماذا قال؟.
  • يميز بين وصف الوقائع التي يتعامل معها، والتفسيرات التي تطرح بشأنها، فالأولى تحتمل قدرا أقل من الشك مقارنة بالثانية.
  • يؤمن بمقولة "غاندي": "ليس المهم أن يتسق كلامي مع ما أقول، ولكن المهم أن يتسق كلامي مع الواقع".
  • لا يرى عيوب من ينقده بعدسة مُكبرةَّ تضخمها، ولا يرى عيوبه بعدسة مُصغرة تهون منها (لا يهول من أخطاء الآخرين، ولا يهون من أخطائه) .
  • يتروى في إصدار الأحكام، فالتسرع في الحكم بدون دليل يجعل أحكام الفرد أكثر عرضة للنقض والتعديل.
  • قادر على قراءة ما لم يكتبه الآخر، وسماع ما يتجنب أن يفصح عنه؛ لأن هذا هو المدخل الأنسب لفهم ما يتلقاه بصورةأكثر موضوعية وإثمارا .
  • ينقد العمل الذي يقيمه، بدلا من أن ينقد صاحبه .               
  • يتبني مبدأ قوامه: "اشتد على نفسك قبل أن يشتد عليك الآخرون".

حري بالذكر أن هناك نقاط قوة أخرى عديدة لهذا العمل من أبرزها أنه يُفعل الشعار الذي يتبناهعلم النفس المعاصر ألا وهو" إننا نعلم لنعمل بما نعلمه، ونعلم الآخرين ما نعلمه"، حيث أنه يتضمن العديد من القواعد العملية التي تساعد الفرد على تنمية مهاراته النقدية وجعلها أفضل مما هي عليه الآن، ويتضح هذا من خلال فحص فصول الكتاب التي تعنى بدواعي الاهتمام بدراسة التفكير الناقد وما يترتب على وجوده بقدر مناسب من مزايا، و تعريفه تعريفا إجرائيا وبيان مكوناته الفرعية، والكشف عن طبيعة العوامل التي تسهم في تشكيله، مما يمكننا من تحديد أسباب انخفاض أو ارتفاع تلك المهارات لدى الفرد، وتوضيح كيفية قياسها، وعرض الأسس النفسية، لتنمية مهارات التفكير الناقد من منطلق أن تقدم الأمم يقاس بمقدار قدرتها على بناء عقليات أبنائها واستثمارها؛ وبناء على ذلك أجد لزاما علي القول: بأن هذا العمل العلمي الرصين يحثنا كمجتمع أن نؤمن بأن عملية التنشئة النقدية للإنسان العربي، سواء على مستوى الأسرة أم المؤسسة التعليمية أم السياسية، تعد ضرورة مجتمعية.
وثمة داع آخر من دواعي سعادتي بهذا العمل قوامه أنه إيذان ببزوغ باحث متمكن يسعى لوضع معارف علم النفس ومكتشفاته موضع التطبيق لتطوير الإنسان العربي والارتقاء بقدراته. وثمة عنصر أخير تجسده المقولة الشهيرة " ُيكتب على غرفة أفضل المعلمين هنا يجلس من استطاع أن يعلم من هو أفضل منه"؛ ذلك أن مؤلف هذا الكتاب القيم كان من بين باقة من الباحثين المتميزين الذين تلقوا العلم على يدي، والذين يعدون الآن من بين النخبة من الباحثين العرب الذين يضيفون بإبداعاتهم للمعرفة الإنسانية على النحو الذي نصبح فيه- بإذن الله- من منتجي المعرفة بدلاً من أن يقتصر دورنا على أن نكون من مستهلكيها.
وختاماً فإنني أدعو الله أن ينفع بهذا العمل المثمر قارئيه، وأن ينتفع مؤلفه به في دنيانا الزائلة وآخرتنا السرمدية.
 
أ.د.طريف شوقي محمد فرج
أستاذ علم النفس
نائب رئيس جامعة بني سويف لشئون الدراسات العليا والبحوث. مصر

المرفقات