ظاهرة تأنيث الفقر في ظل العولمة ( بين الانتشار و المكافحة الوهمية )

علي الرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل الذي توصلت إليه البشرية في الوقت الحاضر وفي ظل القرن الحادي والعشرين ، وعلي الرغم من التحولات الايجابية التي طرأت علي المجتمعات والإنسان داخل هذه المجتمعات إلا أن مازالت مشكلة الفقر والفقراء وتحسين مستوي معيشة الملايين من البشر تزعج وتهدد دول العالم ، ومازالت الحلول المطروحة للقضاء علي الفقر قاصرة لا تستطيع مواجهة  المشكلة بشكل جذري . بل أصبحت المشكلة أكثر تعقيداً و أكثر انتشاراً في ظل العولمة خاصة بين النساء المعيلات لأسر .


 هذا يعتبر مصطلح العولمة كالعملة المتداولة و يشير إلي اتجاهين معاً


أولا: التنمية الإيجابية ، كالتكامل الاقتصادي وتكامل أسواق البضائع والعملات و عوامل الإنتاج .


ثانياً: التنمية السلبية , كالإضرار بالبيئة و تعريض الاقتصاد الداخلي للدول النامية و بشكل مستمر لأزمات خارجية ،ينجم عن ترسبها أزمات في أجهزتها المصرفية و المالية و العملات. (1) وتكاد معظم التنبؤات البحثية تجمع علي أن قضية الفقر ستظل تمثل أحد أهم التحديات الفعلية، وخاصة في عصر العولمة الراهن Globalization،وفي ظل آليات تدويل الاقتصاد إنتاجاً و توزيعاً واستهلاكا. تلك التحديات التي يتعين علي دول العالم مواجهتها و لقد بات واضحاً أن ظاهرة الفقر و التفاوت المعيشي منتشرة بصورة ملحوظة ومقلقة .(2) فلقد خيم الفقر المدقع علي العالم الحديث من جراء تضافر مجموعة متشابكة من العوامل تشكلت علي هيئة "مصيدة الفقر" علي المستويات المحلية و العالمية ، فعلي المستوي المحلي يعيش الفقراء ظروف قاسية من جراء افتقادهم للمعدات الإنتاجية ،وضعف بيئتهم ، وقابليتهم للمرض ، ونقص الغذاء ، وتدني مستواهم التعليمي ، وعدم توافر فرص العمل و تعذر حصولهم علي أغلب الخدمات و انعدام الأمان الاجتماعي . وعلي المستوي القومي تستأثر السياسات الحكومية في عدة قطاعات بدعم سكان المدن علي حساب الأعداد الغفيرة في الريف. و علي الصعيد العالمي أفضي تشابك نظم القروض و التجارة و حركة رأس المال في الثمانينيات إلي زيادة الأغنياء غني، و الفقراء فقراً.(3)


ومن خلال ذلك نري أن كل الدلائل تشير إلي ازدياد عدد الفقراء علي مستوي العالم في ظل العولمة ، كما تزيد انتشار ظاهرة تأنيث الفقر حيث يصبح غالبية الفقراء من النساء لأن المرأة أكثر عرضة للفقر من الرجال.(4) فهناك عدد من المحددات المركبة تساهم في فقر المرأة منها محدودية التعليم ومهارات العمل وفرص العمل ذات الدخل المتدني .وفي الحقيقة تضاعف الفقر خلال 25 سنة من 5.6مليون في عام 1970 إلي 12.9 مليون عام 1998 و اليوم أصبحت الأسر التي تعولها نساء و تعيش تحت خط الفقر تمثل 39%من الأسر الفقيرة.(5) ويقول "باتر محمد" يكفي أن نعرف أن 70% من 1.3 بليون فقير في العالم هم من النساء حتي ندرك مدي إنتشار الظاهرة التي تؤكد أنه في ظل النظام العالمي الجديد وفي ظل العولمة و التعديل الهيكلي و الإجراءات المالية المجحفة بحق الفئات المهمشة فإن ظاهرة تأنيث الفقر في ازدياد مستمر و من المتوقع أن تزيد أعداد النساء الفقيرات زيادة كبيرة في السنوات المقبلة .(6)


ونظراً لخطورة ظاهرة الفقر وانتشارها علي المستوي العالمي و المحلي أشار البنك الدولي إلي ضرورة إتباع سياسة حكيمة لمكافحة الفقر مواكبة مع السياسات الأساسية للتنمية الإقتصادية و ذلك من خلال شطرين متكاملين : أولهما : دعم و ترقية وسائل الإنتاج التي هي بحوزة الفقراء ،بكل كفاءة وتأتي في مقدمتها العمالة وعليه فبالإضافة لقضايا الملكية و التمويل للفقراء فمن الضروري تنمية فرص العمل المنتج علي مستويات تتناسب مع قدرات الفقراء ، دون اللجوء إلي دعم وظائف وهمية أو الاعتماد علي التضخم في التوظيف الإداري الحكومي ، إذ أن اللجوء لمثل هذه الآلية يكرس حالة الفقر و يزيد من حدتها . إن الحل يكمن في حوار صريح مع وبين المؤسسات الإقتصادية و والإجتماعية وتوفير البنية الأساسية و التكنولوجيا المناسبة وتفضيل وسائل التنفيذ التي تعتمد أساساً علي قدر من العمالة، وتحرير أسواق العمل .وثانيها: الحرص علي توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية التي تصون إنسانية الإنسان و تحافظ علي كرامته كالصحة والتربية والتعليم الأساسي وتنظيم الأسرة والتغذية.(7) 


و يري البعض أنه لمكافحة الفقر بشكل عام يجب أن تتصدر مشكلة الفقر برامج التنمية حيث ظلت برامج التنمية طويلاً تعالج المشاكل الناجمة عن الفقر دون أن تعالج مشكلة الفقر أي تعالج السبب ولا تعالج المسبب و كان ذلك تصوراً سائداً وخاطئاً ، فالفقر حالة اجتماعية وجدت وستظل و حالة منتجة للمشاكل و التوابع و علينا معالجة هذه المشاكل و التوابع ومن أهمها مشاكل الجهل و الأمية و المرض والانحراف و إيجاد الحلول لها ولقد توجهت الجهود للحد من هذه المشاكل و أنفق العالم ومازال ينفق الملايين لمواجهة هذه المشاكل ، بينما يكتفي برصد القليل للحد من مشكلة الفقر و هي المشكلة الرئيسية . ولذلك فإن معالجة مشكلة الفقر هي شرط ضروري لنجاح برامج التنمية وأن هذا العلاج هو إجراء وقائي ضروري يقضي علي مشاكلنا من المنبع و المصدر بدلا ًمن أن تتركها تنمو وتتكاثر ثم تحاول علاج نتائجها بتكلفة تصل أضعاف ما تتطلبه الوقاية من جهد ومال ، وأن أي مبلغ ينفق اليوم في برامج تهدف إلي الحد من الفقر سوف


يوفر لنا أضعاف ما سوف ننفقه للحد من أثاره.(8)


فالفقر وإن كان يعبر عن حالة اقتصادية تقترن بانخفاض الدخل أو الثروة إلي الحد الذي يصعب معها إشباع الحاجات المطلوبة لبقاء الإنسان وتنمية قدراته وإمكانياته إلا أنه يقترن بمصاحبات اجتماعية أخري تجعله مصدراً للذل و الحرمان و الهوان وفقدان الكرامة والإحساس بالنقص و الدونية والضعف والتخاذل السياسي ، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلي إعاقة شديدة في إنتاجية الفرد وعجزه عن المشاركة في الحياة الإقتصادية والإجتماعية ،وبالتالي إهدار لإمكانيات المجتمع ، فضلاً عن إنتشار اللامساواة التوزيعية وسيادة التخلف وبروز المشكلات الاجتماعية الأكثر حدة ، ويصبح المجتمع هدفاً للمشكلات الاجتماعية الحادة.(9) ولا يمكن القول بأن الدولة بمفردها تستطيع أن تواجه مشكلة الفقر ولكن من الضروري إشراك منظمات المجتمع المدني في مواجهة هذه المشكلة، وعلي وجه الخصوص الجمعيات الأهلية باعتبارها أقرب المؤسسات لأفراد الشعب وأكثر تعاملاً مع مشكلاتهم. ومن هنا فإن للجمعيات الأهلية دور في الجهود الموجهة إلي التخفيف من حدة الفقر خاصة بين الأسر التي تعولها النساء، هذا الدور يتمثل في ممارستها للأنشطة التالية:(10)


1-    إجراء مسح للأسر التي تحتاج إلي تدريب وإلي عمل وذلك في نطاق المجتمع الذي تخدمه الجمعية


2-    إجراء حصر لاحتياجات سوق العمل في المنطقة التي تخدمها الجمعية


3-    المساعدة في إنشاء صناعات ترتبط بصناعات أكبر تغذيها لضمان تسويق منتجاتها


4-    تقوم الجمعية بدور الوساطة لإتاحة قروض ميسرة للأسر الفقيرة وللعاطلين عن العمل لبدء مشروعات جديدة ،وتهتم بمتابعة سداد القروض التي تحصل عليها الأسر بواسطتها لإتاحة استمرار دوران الأموال


5-    تساعد الجمعيات الأهلية علي التغلب علي مشكلة التمويل بالتوجه إلي المنظمات الدولية ، عبر وزارة الشئون والإجتماعية


6-    تقدم الجمعيات الأهلية التي يكون ضمن أغراضها تقديم معونات للأسر الفقيرة ، في حدود إمكانياتها ،وبالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني الأخرى ،ومع دور العبادة في مناطق عملها معونات للأسر الفقيرة التي لا يمكنها الاعتماد علي نفسها من توفير دخل يسد احتياجاتها وبصفة خاصة التي تعولها نساء لتوفير الحد الأدنى المطلوب لحياة الأسرة وحياة أطفالها


7-    تسعي الجمعيات الأهلية إلي توفير آلية لتبادل الخبرات فيما بينها وممارسة أنشطة تكاملية، عن طريق عقد ورش عمل للجمعيات متشابهة النشاط في المناطق المختلفة أو للجمعيات ذات الأنشطة المختلفة في نفس المنطقة الجغرافية


8-    تسعي اتحادات الجمعيات الأهلية إلي مد النشاط الأهلي إلي الفري و المناطق النائية والمناطق العشوائية التي لم تزل محرومة من الخدمات


كما يري البعض انه يمكن القضاء على الفقر بين النساء في الدول النامية بإتباع أكثر من سياسة منها:(11)


(1)             سياسة الائتمان


فغالباً ما تلجأ النساء الفقيرات في الدول النامية إلى العمل لحسابهن لإعالة أنفسهن و عائلاتهن فتقوم النساء بإقامة مشروعات صغيرة النطاق زراعية أو صناعية أو خدمية أو متعلقة بالأنشطة التجارية ولكن في الغالب أن هذه الأنشطة لا تدر علي النساء دخلاً كافياً لإخراجهن من دائرة الفقر فالنساء يفتقرن للعديد من العوامل التي تمكنهن من التوسع في مشروعاتهن فهن يفتقرن للتعليم والمعرفة الفنية والإدارية وتفتقرن إلي رأس المال المناسب وإمكانية الوصول إلي الائتمان وأسواق المواد الخام و الخدمات اللازمة للتوسع أو حتي إحداث تطوير ملموس في مشروعاتهن.


(2)             الاستثمار في النساء


يقصد بالإستثمار في النساء الإنفاق علي تعليم النساء وعلي تدريبهن وإكسابهن المهارات و القدرات الفنية المتنوعة و الإنفاق علي توفير الرعاية الصحية للنساء والإستثمار في النساء من شأنه أن يؤدي إلي منافع اقتصادية و اجتماعية للاقتصاد تتمثل في صورة انخفاض معدلات وفيات الأطفال و إرتفاع معدلات الالتحاق بالتعليم ، تحسين مستوي التغذية وبطيء النمو السكاني .


هذا وعلي الرغم من وجود بعض المحاولات التي تسعي إلي التخفيف من حدة الفقر و إتباع السياسات التي تهدف إلي التخفيف من حدة الفقر بصفة عامة و ظاهرة تأنيث الفقر بصفة خاصة إلا أن هناك إزدياد مستمر في عدد الفقراء علي مستوي مصر وأيضاً علي مستوي العالم خاصة في عدد النساء المعيلات لأسر .والسؤال هنا لماذا هذا التزايد في عدد الفقراء ؟ هل لعدم وجود سياسة واضحة واقعية تتبعها الدول في مكافحة الفقر ؟ أم لأن خطط مكافحة الفقر هي خطط وهمية لا تحقق المرجو منها ؟ أم لأن خطط التنمية لم تتصدي لمشكلة الفقر وظاهرة تأنيث الفقر بشكل فعال وحقيقي، أم لعدم وجود تكامل بين الجهود الحكومية و الجهود الأهلية و الجهود الدولية، أم لتركيز الجهود علي مواجهة المشكلات المترتبة علي الفقر.؟


والواقع الراهن يطرح سؤلاً أخر: إلي متى يظل هؤلاء الفقراء في العالم أجمع وفي دول العالم النامي يعانون من عدم حصولهم علي احتياجاتهم الأساسية من مأكل و ملبس و مسكن وتعليم وصحة...الخ وإلي متى تظل المرأة المعيلة الفقيرة مهمشة تعاني وأسرتها من الكثير من المشكلات وتكون هذه الأسر بؤر للانحراف والسبب في إنتشار العديد من المشكلات المجتمعية التي تهدد استقرار المجتمع وتقدمه .


ومكافحة ظاهرة تأنيث الفقر تحتاج إلي الالتزام بتحقيق  العدالة الاجتماعية و مبدأ تكافؤ الفرص وإتاحة فرص كافية للمرأة من التعليم والعمل و الصحة ،وإلي جهود حقيقية من المنظمات العالمية والإقليمية ومنظمات المجتمع المدني ، إلي استعداد من هؤلاء الفقراء علي التغيير والخروج من مصيدة ودائرة الفقر المزمنة .كما تحتاج هذه الظاهرة إلي اهتمام المهن المختلفة لدراستها من جميع الجوانب ووضع الحلول لمواجهتها كل علي حسب تخصصه.






(1) غسان منير حمزة وعلي أحمد الطراح: العولمة و الدولة – الوطن و المجتمع العالمي دراسات في التنمية و الاجتماع المدني في ظل الهيمنة الإقتصادية العالمية ، بيروت ، دار النهضة العربية ،2002، 177.



(2) أحمد مجدي حجازي: العولمة بين التفكك وإعادة التركيب، دراسات في تحديات النظام العالمي الجديد، القاهرة ، الدار المصرية السعودية للطباعة والنشر والتوزيع ،2004،ص 117




(4) Vic George and Paul Wilding: Globalization and Human Welfare, (N.Y: Palgrave, 2002) p.129.


 



(5) Vincent N.Parrillo: Contemporary Social Problems, 5th, ed., (London: Allyn and Bacon, 2002) p.154.                              



(6) باتر محمد علي وردم : العولمة ومستقبل الأرض ، المملكة الأردنية الهاشمية ، الأهلية للنشر والتوزيع ، 2003 ، ص 114



(7) إسماعيل قيرة وآخرون : عولمة الفقر, ومجتمع الفقراء والمحرومين، القاهرة ، دار الفجر للنشر والتوزيع ، 2003 ، ص48



(8) زكريا طاحون : بيئات ترهقها العولمة (الاقتصادية – السياسية – الثقافية – الاجتماعية ) ط1 ، القاهرة ،جمعية المكتب العربي للبحوث والبيئة ،2003، ص 258.



(9) محروس محمود خليفة و إنصاف عبد العزيز عوض: المدخل في ممارسة الخدمة الاجتماعية، الجزء الأول، الرعاية الاجتماعية وقضايا الأمن الاجتماعي، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1992، ص 219.



(10) التقرير المقدم من الجمعيات الأهلية المصرية للمنتدى العالمي للمرأة بكين، 1995، تطور أوضاع المرأة المصرية من نيروبي إلي بكين، القاهرة، 1995، ص ص 60- 61.



(11) إيمان سليم: تأنيث الفقر، بحث منشور بالمؤتمر الثاني لكلية التجارة "بنات" بجامعة الأزهر، القاهرة، كلية التجارة "بنات"، جامعة الأزهر، 1998