عرض وتحليل لـ (المقامة المضيرية) للهمذاني ... (نثر قديم [٢])

)نص المقامة مرفق أدناه [تستطيع قراءته والاستماع إليه ومعرفة معاني الغريب فيه])
--------------------------------------------------------------
في هذه الصفحة تحليلان لـ (المقامة المضيرية) لبديع الزمان الهمذاني.

التحليل الأول، أصله من مدونة د. عطيه أبوالشيخ، ولكني غيرتُ فيه كثيرا ليتناسب مع الغرض من إيراده هنا. (مع الشكر لكاتب الموضوع الأصل)
http://dr36iehjo.blogspot.com/2011/03/blog-post_16.html…

.
.

أولا: المضمون:
المقامة المضيرية، من أشهر مقامات بديع الزمان الهمذاني، إذ تنسب لمضيرة، وهي طعام عبارة عن لحم يطبخ باللبن المضير، أي الحامض، وتعتبر من أجود طعام أهل الحضر في بلاد فارس والعراق.
تدورفصول وأحداث المقامة حسب حديث عيسى ابن هشام، أن الإسكندري دعي إلى وليمة، فقدمت إليهما مضيرة، غير أن الإسكندري امتنع عن تناولها، فلما استفسر عن سر امتناعه، روى قصته معها.
وتبدأ القصة الثانية لما دعاه أحد التجار إلى مضيرة، فانزعج بأحاديثه الرتيبة والطويلة، أمام ذلك فضل الإسكندري الانصراف والهروب فتبعه التاجر يناديه، المضيرة المضيرة، إذ اعتقد صبيان الحي أنه يلقب بذلك، فأمطروه صيحا، لكنه أمام ذلك فقد أعصابه، وقرر في النهاية أن يرشقهم بالحجارة، إذ أصاب رجلا، فكان أن أمسكوه، وضربوه، ليتم اقتياده السجن، ومنذ ذلك الوقت أقسم الإسكندري على نفسه أن لا يتناول المضيرة.
.
.

ثانيا: المتن الحكائي (السَّرْدي:(
تتناول المقامة المضيرية جملة من القضايا المتنوعة والمختلفة، وهي على هذا النحو اجتماعية، اقتصادية، تربوية، ثقافية، إنسانية.

ولعل أبرز هاته القضايا محنة الإسكندري مع الوليمة التي جلبت له مشاكل عدة.
ـ كيف صورت المقامة المضيرية صورة الإسكندري؟

يرمز اسم الإسكندري في كتاب المقامات لبديع الزمان الهمذاني إلى "المكدي" وهو كما معلوم شخص غريب الطبائع، شديد الحيل، مغامر، عالم، مثقف، دائم الانتصار للمكر والخداع بوسائل إبداعية ملفتة ، الشيء الذي ضمن له النجاح في كل أدواره التي يلعبها.
إن الإسكندري ـ في المقامة المضيرية ـ يجسد صورة "الضحية" الذي يتعرض إلى عنف الآخرين، إما نتيجة لأخطاء في الحسابات وسوء تقديريه الذي قاده إلى السجن. فهو بهذا الأمريجسد صورة الإنسان الذي يتحمل الآلام والجراحات مقابل قيم السلام والأخلاق
هاته الصورة كما تطرحها المقامة المضيرية تدفعنا إلى طرح الأسئلة الإنسانية الـتـالـيـة:

ـ هل من الضروري أن ينتهي المطاف بالإسكندري إلى السجن؟

ـ ما الجريمة التي اقترفها؟

ويبقى السؤال الأهم هو:

هل ستغير لغة العنف مثل ـ التي تعرض لها الإسكندري ـ من المشاكل الإنسانية؟

شخوص المقامة المضيرية:
في المقامة المضيرية تبدو الأحداث متسارعة على نحو ملحوظ، كما يأتي الحكي خاضعا إلى الكثافة والقوة، وهي سمة جمالية بقدر ما تعني انفتاح النص على قضايا وأسئلة نقدية عديدة، فهي تعني أيضا أن المساحة النصية وما يرافقها من تنوع في الأزمنة والأمكنة، قد سمحت باحتضان شخوص كثيرة ومتنوعة، الشيء الذي أضفى طابعا رحبا على البناء النصي للمقامة. وهكذا، ومن داخل هذا الاكتمال النصي، يمكننا الإشارة:

إلى جانب عيسى ابن هشام (الراوي الأول)، والإسكندري الذي يجسد الراوي الثاني والوسيط السردي، نشير إلى التاجرين: الأول والثاني، وهؤلاء الأربعة يشكلون معًا نواة شخصيات محورية تعكس أدوارا بارزة في المبنى الحكائي، من حيث الحوارية والتفاعلية التي تتوسل بشخصيات ثانوية أخرى عابرة من قَبيل:
معاوية، إسحاق ابن محمد، عمران الفرائضي، الغلام، العباس، النخاس، الخباز، التلميذ.
على الرغم من الدور الثانوي لهذه الشخصيات داخل النص، فهي تمثل حضورا رمزيا يميزها عن باقي الشخصيات الأخرى المكوِّنة للنص، فلم يكن ورودها فيه اعتباطيا، بل هو يحيل إلى دلالات ثقافية واجتماعية متنوعة.
غير أن هذه الشخصيات تبدو مختلفة فيما بينها من حيث المركز الاجتماعي والثقافي، ونذكر هنا بشكل خاص الحِرَفي، البورجُوازي، الفقير، الطالب. وكل شخصية من هذه الشخصيات تحيل إلى مستوى ونمطٍ من الوعي الاجتماعي والأخلاقي الذي يعيشه مجتمع أبي الفتح الإسكندري.
.
.

ثالثا: صورة المرأة في المقامة:
بالرغم من طبيعة حضور المرأة الذي يغلب عليه الطابع المحتشم على لسان التاجر الثاني، تظل صورة المرأة مهمة داخل المشهد النصي للمقامة ، فهي بهذا تعكس نموذج المرأة الحاذقة، الطباخة الماهرة، ذات المنظر الحَسَن، فهي الجميلة، والمعشوقة.
إن هذا الترميز الذي يعكس وضعية وأفق المرأة الإنسانة الخدومة والمتشبعة بروح القيم والعادات والتقاليد الاجتماعية التي تمتح منها في سياق الحياة، إنما يعكس المعايير المتعارف عليها لدور المرأة آنذاك والذي حصرته المقامة في الدور التقليدي الذي لا يخرج عن دائرة (الطبخ، العناية بالبيت)، ودور آخر يختزل كينونتها في البعد الجمالي.
.
.

رابعا: الانفتاح النصي:
القارىء للمقامات يدرك أن هذا الجنس الأدبي لا يقتصر على ما هو نثري، بل ينفتح على أجناس أدبية أخرى متنوعة ومختلفة، وفي هذا السياق يمكن الحديث عن تجاور وتعالق الكثير من النصوص في المقامة: الشعر، والقصة، والحِكَم، والأمثال، والرسائل، والمناظرات.. إلى غير ذلك من النصوص المختلفة أجناسيا.

إن هذا التجاور النصي والتعالق السردي يشير إلى ما يميز هذا الجنس الأدبي من قوة واتساع بحيث يشمل كثيرا من الهموم الإنسانية، ويثبت قدرته على معالجة كثير من القضايا ذات الأبعاد الإنسانية والاجتماعية المختلفة.

وغني عن البيان أن المقامة" تنفتح على أدب الطعام والموائد في الثقافة العربية الإسلامية، ويحضر الطعام في مقامات البديع والحريري مرتبطا ببطل الكدية - أبي الفتح الإسكندري وأبي زيد السروجي -. وقد يتحول الراوي- السارد - إلى فاعل سردي يحتال في سبيل الحصول على مأدبة عامرة بالطيبات واللذائذ".

كما يلاحظ أن" حضور الطعام والبطل المتطفل أو الطفيلي يبدو بارزا في - المقامة المضيرية - للبديع، إلا أن ما يميز هذه المقامة عن سواها من مقامات الكدية أنها تقوم بقلب أفق توقعات المتلقي. فالطفيلي في المقامة المضيرية لن يحظى أبدا بالمائدة العامرة، وسيتحول إلى ما يصفه بيرجسون" henri bergson" باللص المسروق أي الشخصية التي تقع ضحية للنوع المحدد من الفعل الذي ترتكبه عادة. وإذا كان عيسى بن هشام في المقامة البغدادية هو المتحكم في مجريات السرد شأنه في ذلك شأن بخلاء الجاحظ، فإن هناك قلبا لأدوار التلقي في المقامة المضيرية يترتب عليه أن يصاب الضيف بحبسة لغوية، فالمضيف قد حرمه من الكلام. كما أن أبا الفتح الإسكندري يتماهى مع المضيرة ويصبحان شيئا واحدا".
.
.

خامسا: البعد التداولي الوظيفي:
إن المقامة في مبناها ومعناها تطمح إلى أن تلعب دورا وظيفيا وإنسانيا في سياقها التداولي، بالإضافة إلى أنها تتحدث بلسان شرائح مجتمعية متعددة، فهي تعكس تعددا متنوعا في الأصوات والمرجعيات، خطاب التاجر، خطاب عيسى ابن هشام...، كما أنها أيضا تستضمر بعدا تربويا يكمن في نزوعها نحو صياغة بعض القواعد الحُكْمِيَّة. وهكذا ففي المقامة المضيرية يمكن الحديث عن حكم وأمثال عديدة نقتطف منها ما يلي:
ـ السعادة تنبط الماء من الحجارة.
ـ المؤمن ناصح لإخوانه.
ـ لكل آلة قوم.
ـ يزل عن حائطه الذر فلا يعلق.
ـ يمشي على أرضه الذباب فيزلق.
.
.

سادسا: خلاصة واستنتاج:
تبقى المقامة من الفنون الأدبية الممتعة، إضافة إلى كونها سجلا تاريخيا يكشف عن مهارة وقدرة الكاتب العربي الإبداعية. وعلى الرغم من كونها - أي المقامة - تبدو عصية من حيث المبنى والمعنى، فإنها لا زالت تستأثر باهتمام المتلقي والناقد معا، ولعل ذلك يكمن في طبيعة النجاحات التي حققتها في مجال الإبداع العربي.
--------------------------------------------------------------------------------

 

التحليل الثاني، أصله من الرابط أدناه، بقلم أ. مريم مساعدة، ولكني غيرتُ فيه كثيرا ليتناسب مع الغرض من إيراده هنا. (مع الشكر لكاتبة الموضوع الأصل)
https://cutt.us/XmxPR
 

مضمون المقامة
 
في المقامة المضيرية نجد كثيراً من الحوادث الأدبية التي احتسبت لبديع الزمان الهمذانيّ بالفطنة، والعلم، وعليه يمكننا إيجاز مضمون المقامة فيما يلي:
 

أبو الفتح الإسكندري هو بطل الكدية، والاحتيال على الناس، يُقدّم له لون من ألوان الطعام فيعرض عن تناوله، بل ويعرب عن إعراضه عنه بسيل من السباب، فيثير موقفه غرابة المدعوين ودهشتهم، ويسألوا أبا الفتح عن السر ليصبح المدعون والقراء جميعاً في واجهة واحدة يطلون منها على حكاية أبي الفتح مع المضيرة.
 

تعتمد المقامة في بدايتها على الإثارة والتشويق، حين يشاهَد أبا الفتح الأسكندري في رهط من المدعوين على الطعام، ثم تبدأ الأحداث تأخذ منحًى آخر لعقدة النص وهو جانب يحمل بين طياته عنصراً قصصياً يثير القارئ ويشوّقه ليعرف تتمة المقامة، وما سيحدث مع أبي الفتح الإسكندري في نهاية المطاف.
 
 

البيئة القصصية للمقامة
 
تحدد المقامة مكانها كالقصة تماماً، إذ توضح أنها تنقلت بين البصرة وبغداد، حيث التقى ذلك الرهط على طعام المضيرة في البصرة، وهناك رُويت القصة التي دارت أحداثها في بغداد. كما أن المقامة تحدد أيضاً أبطالها من الشخصيات الأساسية التي ألهبت الجو القصصي في المقامة. (وسيرد ذكر الشخصيات أدناه).
 
 

عناصر المقامة   (الشخصيات، واللغة، والحوار)

1. شخصيات المقامة: الشخوص الرئيسيون في المقامة هم: المدعوّون، والتاجران، وعيسى بن هشام، وأبو الفتح الإسكندري.

2. لغة المقامة: لا شك أن بديع الزمان الهمذانيّ ارتكز على الألفاظ الغريبة، ولكنه نجح في تسخيرها لخدمة المعنى، وفي توجيهها لرسم صورة نفسيّة دقيقة لإحدى شخصيات مقاماته وهي شخصية التاجر. ومن سمات لغة المقامة

* إبراز اللغةِ المعنى وتفصيلَه وتوضيحَه، وذلك من خلال التسلسل المنطقي للأحداث وتصويرها بما تشتمل عليه من مفاجآت، وتشويق، وما تقتضيه من ملاحقة، ومتابعة، بحيث يبقى المتلقي مشدودا إلى خاتمة الحدث الذي يكتشف أنه يقود إلى حدث آخر يحتاج بدوره إلى الانتظار لمعرفة مآله، وهكذا إلى أن تقوده الحكاية إلى دهاليز لم يخطر بباله أن تطول بذلك الشكل.  

توظيف الإيقاع عبر استخدام السجع الذي يحوي جرْسا موسيقيا جذابا، وهو بهذا يميل بالنص ناحية الشعر القائم على إيقاع الوزن والقافية، ومن الأمثلة عليه: (يَاغُلاَمُ! الْخُوَانَ، فَقَدْ طَالَ الزَّمَانُ، وَالقِصَاعَ، فَقَدْ طَالَ المِصَاعُ، والطَّعَامَ، فَقَدْ كَثْرَ الكَلامُ. فَأَتَى الغُلاَمُ بَالخُوَانِ، وَقَلَّبَهُ التَّاجِرُ عَلَى المَكانِ، وَنَقَرَهُ بِالبَنَانِ، وَعَجَمَهُ بِالأَسْنَانِ، وَقَالَ: عَمَّرَ اللهُ بَغْدَادَ فَما أَجْوَدَ مَتَاعَهَا! وَأَظْرَفَ صُنَّاعَهَا!).

 

* استخدام أساليب متعددة في بناء الجملة، ومن ذلك المزاوجة بين جمل النداء، والجمل الشرطية، والجمل القائمة على التمني: (يَا مَولاْيَ، لَوْ رَأَيْتَهَا، وَالخَرْقَةُ فِي وَسَطِهَا، وَهْيَ تَدُورُ فِي الدُّورِ، مِنَ التَّنُّورِ إِلَى القُدُورِ، وَمِنَ القُدُورِ إِلَى التَّنُّورِ، تَنْفُثُ بفِيهَا النَّارَ، وَتَدُقُّ بِيَدَيْهَا الأَبْزَارَ، وَلَوْ رَأَيْتَ الدُّخَانَ وَقَدْ غَبَّرَ فِي ذَلِكَ الوَجْهِ الجَمِيلِ، وَأَثَّرَ فِي ذَلِكَ الخَدِّ الصَّقِيلِ، لَرَأَيْتَ مَنْظَراً تَحارُ فِيهِ العيُوُنُ).

 
الحوار: جاء الحوار في المقامة محاكياً للحوار الواقعي بين شخصيتين؛ إحداهما ثرثارة لا تكف عن الكلام، والأخرى صامتة تتلقى الحديث وتبدو كالمستمتعة به، المتابعة له، وعندما يبلغ بها الضجر مبلغه، تشارك في الحوار في شكل حديث مسموع أحيانا، وحديث داخلي مع الذات أحيانا أخرى، ولكنها مشاركة محدودة جدا في الحالينفمن المسموع قوله: (فَقُلْتُ: هَذا الشَّكْلُ، فَمَتى الأَكْلُ؟ فقَالَ: الآنَ، عَجِّلْ يَا غُلاَمُ الطَّعَامَ). ومن حديث النفس قوله: (وَقُلْتُ: قَدْ بَقِيَ الخَبْزُ وآلاتُهُ، وَالخُبْزُ وَصِفاتُهُ، وَالحِنْطَةُ مِنْ أَيْنَ اشْتُرِيَتْ أَصْلاً؟ وَكَيْفَ اكْتَرَى لَهَا حَمْلاً؟).

 

الخلاصة: اعتمد بديع الزمان عدة تقنيات سردية للتأثير في المتلقي، منها: التنويع في الأمكنة، والشخصيات، والأساليب اللغوية (الخبر والإنشاء، والإيقاع والموسيقى، والصور البلاغية، ثم حصر معظم الحوار في طرف واحد؛ هو التاجر الثاني، مضيفا شخصيات جانبية لتمنح النص أبعادا اجتماعية وثقافية متعددة الأبعاد، كما استطاع سحب المتلقي للمتابعة المدهشة عبر التسلسل المنطقي للأحداث بدءًا من دعوة التاجر له ثم حديثه عن زوجته وجمالها وإتقانها عملها ثم الحيّ الذي يقع فيه المنزل ثم باب المنزل مرورا بتفاصيل داخلية كثيرة، وأخيرا يختم الحكاية بحدثه إلى نفسه سرا ثم محاولته النجاة من ذلك المأزق الذي جعل المتلقي يتنفس الصعداء ظنا منه أنه يوشك على الانتهاء من السرد، إلا أن الكاتب يفاجئه بالوقوع في مأزق أعظم مما حاول النجاة منه. وهكذا نجح في جعل المتلقي يتناسى طول النص بسبب ملاحقته للأحداث التي أبقته مشدودا إليها حتى النهاية

  •  

--------------------------------------------------

وفي هذا الرابط دراسة عميقة وممتازة لهذه المقامة بقلم: أحمد السيلاوي

http://alantologia.com/page/22139/