النثر الفني العربي القديم بين الأصالة والانتحال (نثر قديم [٢])

طبيعة النثر في العصر الجاهلي (او عصر قبل الاسلام):-

إن النظر إلى النثر في العصر الذي سبق الإسلام يثير السؤال الذي طالما استوقف الباحثين في هذا الصدد، هل نشأ لدى الجاهليين نثر فيه تأنق وإجادة في التعبير والتصوير؟ بمعنى: هل هناك نثر فني في العصر الجاهلي؟

 

لا شك ان إمكانية معرفة ذلك كانت موضوع خلاف بين الباحثين عربا ومستشرقين، فمنهم من يذهب إلى نفي تلك المعرفة، إذ لم ينشأ عند تلك الأمة ما يسمى بالنثر الفني لأن الحياة الجاهلية حياة بدائية لا يمكنها أن توجد هذا النثر الذي هو لغة العقل، وما وصل إلينا من وثائق عن ذلك العصر لا يكفي للإدلاء بحكم ما، فالكثير منها موضع شك لتسرب الانتحال والوضع إليه. ومرد ذلك هو إهمال التقيد والتدوين الذي تأخر حتى العصر العباسي الأول، وهذا الأمر - بلا شك - يحط من مصداقية النصوص التي وصلت إلينا بعد تلك المرحلة.

فيما يرى فريق آخر من الباحثين أن العرب في الجاهلية عرفوا هذا الفن وطرقوا بابه، لأن ذلك النثر كان موجودا عند كثير من الأمم كالفرس والهنود واليونان، إذ يمتد تاريخه إلى خمسة قرون قبل الميلاد، فلا يعقل ألا يكون للعرب نثر فني بعد الميلاد بخمسة قرون! إلى جانب أن القرآن في بلاغته إنما كان يخاطب قوما يفهمونه ويتذوقونه، وفهم القرآن وتذوقه لا يمكن أن يقع اتفاقا وبلا استعداد، بل لابد أن تكون عند الجماهير التي سمعته وتأثرت به واعتنقت دينه ثقافةٌ أدبية وتذوق فني خاص. وإن عدم وصول نماذج صحيحة عن ذلك العصر ليس دليلا على جهل العرب بهذا الفن.

 

ويبدو أن الرأي الأخير أقرب الى الدقة والموضوعية، فالبيئة العربية آنذاك هي منشأ الفصاحة والبلاغة، فقد كان عرب البادية [في عصر التدوين] - يحكمون بصواب القول من خطئه عند النحويين والبلغاء.

 

إن أبرز ما نقل لنا من النثر الجاهلي مجموعة من الفنون النثرية، تأتي في مقدمتها الخطابة؛ إذ أخذت دورها الفاعل في بيئة اعتصرت فيها الخصومات واشتدت المنازعات،  فما أن تتعالى أشرعة الحرب، أو يلتهب التنافس والتفاخر فيها حتى تجد صوت الخطيب عاليا مدويا؛ فهو لسان القبيلة في حربها وسلمها، وفي سرائها وضرائها. فلا عجب أن يلجأ إليها العربي، تعينه في ذلك ملكة البيان وفصاحة اللسان والتمكن من فن القول.

 

كانت أهم موضوعات الخطابة في العصر الجاهلي تدور حول المفاخرات والمنافرات والمصاهرات والوعظ والتحريض على القتال وإصلاح ذات البين.

 

وتعد الأمثال أبرز الفنون النثرية آنذاك بعد الخطابة؛ إذ صورت الأمثال جانبا مهما من مظاهر الحياة الاجتماعية وأبعادها في العصر الجاهلي فضلا عن فن الحكمة؛ فالقبائل كانت تفزع إلى حكمائها في كل ما يكتنفها من شدائد وأحداث.

 

وقد كان سجع الكهان من الأنواع النثرية التي لها أثر جلي في نفوس جل الناس آنذاك؛ إذ عرف هذا النوع عن الكهنة ورجال الدين الذين كانوا يلتزمون نسقا معينا من الزخرف اللفظي، يضفي على كلامهم هالة من التعتيم والغموض، وكان العرب يقصدون إليهم في كل ما يهمهم ويشغلهم، لأنهم اعتقدوا في الكاهن قدرته على كل شيء.

 

لقد امتاز النثر في الجاهلية بعدد من الخصائص الفنية وأبرزها :- جزالة اللفظ وكثرة الغريب، وقصر الخطب والجمل، وتوظيف المحسنات البديعية كالسجع والجناس والمقابلة. وكذلك الأساليب البيانية كالاستعارة والتشبيه والكناية. والشيء والذي يلفت الانتباه هنا هو بنية (هيكلية) الخطبة الجاهلية، إذ تبدو وكأنها مجموعة من الحكم والجمل مع القليل من الترابط والوشائج، فالخطيب يعمد إلى مباشرة الموضوع دون ترتيب الأفكار أو استقصائها.

 

وقد كان هاشم بن عبد مناف وقيس بن ساعدة وزهير بن جناب وأكثم بن صيفي هم أشهر عرب الجاهلية في ريادة تلك الفنون النثرية التي كان أبرزها الخطب.

 

ومن تلك الخطب خطبة قِسّ بن ساعدة في سوق عكاظ ((أيها الناس اسمعوا وعوا، وإذا سمعتم شيئا فانتفعوا: إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. ليل داج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج. إن في السماء لخَبَرا، وإن في الأرض لعِبَرا. ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرَضُوا بالمقام فأقاموا؟ أم تُركوا هناك فناموا؟ يا معشر إياد، أين الآباء والأجداد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ أين من بنى وشيَّد؟ وزخرَفَ ونجَّد؟ لقد طحنَهم الثرى بكَلْكَلِه، ومزَّقَهَم الدَّهر بطولِه)).

-------------------------------------
الموضوع من الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية  بجامعة بابل في عدة مواقع للأساتذة وليس باسم أستاذ معين

 القسم قسم اللغة العربية     05/04/2017 08:46:23

------------------------------------------

علما أن هناك كتابا مطبوعا للدكتور عبد الرحمن الهليّل يناقش هذه القضية باستفاضة، عنوانه: النثر الجاهلي بين الأصالة والانتحال.